يرشدونك، وشاورهم في أمرك يسددونك، قال: قد بعثتُ إليهم فهربوا مني، فقال: خافوا أن تحملَهم على طريقتك، ولكن افتَحْ بابك، وسهِّل حجابك، وانصُر المظلوم، واقمعِ الظالم، وخُذ الفيءَ والصدقات مما حل وطاب، واقسِمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة"."
وهنا نرى أن المنصورَ قد تلقَّى هذه النصيحة بالقَبول، وشكر للناصح نصحه، ولم ينقلِبْ عليه أو يفتِكْ به.
وجاء رجلٌ إلى الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أعظك بعِظَة فيها بعض الغلظة، فاحتمِلْها، قال: كلا، إن الله أمر من هو خير منك بإِلاَنة القول لِمَن هو شر مني؛ قال لنبيه موسى إذ أرسَله إلى فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44] ، وهنا أراد الرشيدُ أن يعلمَه أدب الواعظ، فليس كلُّ حاكم يحتمل شدةَ الوعظ، وقد أُثِر عن الرشيد أنه احتمل الوعظَ، وكافأ عليه رغم شدته؛ لأنه يعرف للعلماء الواعظين حقَّهم.
ووجَّه الأوزاعي رحمه الله موعظةً للحكام فقال:"ما من راعٍ يبيت غاشًّا لرعيته، إلا حرم اللهُ عليه رائحةَ الجنة، وحقيقٌ على الوالي أن يكونَ لرعيته ناظرًا، ولِمَا استطاع من عَوْراتهم ساترًا، وبالحق فيهم قائمًا، فلا يتخوَّف محسنُهم رَهَقًا، ولا مسيئُهم عدوانًا؛ فقد كانت بيدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدةٌ [1] يستاك بها، ويردع عنه المشركين بها، فأتاه جبريل فقال: يا محمد، ما هذه الجريدةُ التي معك؟ اترُكْها، لا تملأ قلوبهم رعبًا، فما ظنك بمن سفَك دماءَهم، وقطَع أستارهم، ونَهَب أموالهم؟! يا أمير المؤمنين، إن المغفورَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر - يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم - دعا إلى القِصاص من نفسِه بخَدْش خدشه أعرابيًّا لم يتعمَّدْه، فقال جبريل: يا محمد، إن الله لم يبعَثْك جبارًا تكسر قرون أمتِك، واعلم يا أمير المؤمنين، أن كلَّ ما في يدك لا يعدل شربةً من شراب الجنة، ولا ثمرةً من ثمارها، ولو أن ثوبًا من ثياب أهل الجنة عُلِّق بين السماء والأرض، لأهلَك الناسَ رائحتُه، فكيف بمن يتقمَّصه؟ ولو أن ذَنوبًا - دلوًا - من صديد أهل النار صُبَّ على ماء الدنيا، لأحمه - سخنه - فكيف بمن يتجرَّعه؟ ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وُضِعت على جبل لأذابتْه، فكيف بمن يُسلَك فيها - يدخل فيها - ويُرَدُّ فضلُها على عاتقِه؟".
(1) ) عود من النخيل كان يُستاكُ به.