فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 156

وقد خلَفه أصحابه في هذا، ولقد أخبَر جابرُ بن عبدالله أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم قال له: (( لو قد جاء مالُ البحرين، لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، فلم يجِئْ مالُ البحرين حتى قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء أبا بَكرٍ مالُ البحرين، فقال أبو بكر: مَن كان له على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عِدَة أو دَيْن، فليأتِنا، قال جابر: فقلت: وعدني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا - فبسَط يديه ثلاث مرات - قال جابر: فعدَّ في يدي خمسَمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة" [1] ؛ أخرجه البخاري ومسلم."

فعلى المسلِمين أن يلتزموا بما وعَدوا، وأن يتمثلوا أخلاقَ الإسلام وما دعا إليه؛ ففي رواية لمسلم: (( آية المنافقِ ثلاثٌ وإن صام وصلَّى وزعَم أنه مسلم، ثم ذكَر: إذا وعَد أخلَف، وإذا عاهَد غدَر، وإذا حدَّث كذَب ) )؛ فكم من الناس من يعيب على المسلمين في هذا الزمان عدمَ التزامهم بالوعود، وإخلالَهم بها، فلا يفي مقترضٌ بما وعَد من ردِّ الدَّين، ولا يفي صانعٌ بما وعَد من إنجازِ عملِه، ولا يفي رجلٌ بما وعَد من زمن للحضور، فلا يحضُرُ إلا متأخِّرًا، حتى صار هذا الخُلفُ بالوعد سِمةً في كثيرٍ من مسلمي اليوم، ويُحصيه عليه أعداؤُهم، ويعُدُّه الجهَّال من صفات المسلمين، وما هو من صفاتِهم، إنما هو خَصلة من خِصال المنافقين، والمُسلِمُ الملتزم بريءٌ من إخلاف الوعد.

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] .

الوصيةُ العاشرة جامعةٌ لِما سبَق من وصايا، مع زيادة عليها لِما لم يُذكَر بالنص؛ فقد شمِله الوصية بالتمسُّك بالدِّين كله، والظاهر أن النص أكد على الوصايا السابقة بالاسم؛ لأنها أساسياتٌ لا يجوز التهاونُ فيها، فيكون النصُّ عليها بهذا الشكل أدعى لتذكُّرِها والأخذ بالوصية فيها؛ لذلك خُتِمت بالآية الأولى بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] ، وبالآية الثانية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152] ، وبالآية الثالثة: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153] ، وهي جِماعُ ذلك كله؛ قال تعالى: {لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [آل عمران: 15] ، وقال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72] ، فما الصِّراط؟ وما المقصود من اتِّباعه؟

الصراط: هو الطريق، والصراط المستقيم: هو الطريقُ الواضح الذي لا اعوجاجَ فيه.

(1) المصدر نفسه 9268.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت