دعاء خير لِمَن بلَّغ الحديث كما سمعه، وبالمقابل تهدَّد مَن يكذِب في التَّبليغ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تكذِبوا علَيَّ؛ فإنه مَن كذب علَيَّ يلج النارَ ) ) [1] .
ولقد عاب عليه الصلاةُ والسلام على مَن يتشدَّق بالكلام، ويتقعَّر فيه، ويخطُبُ ليجمَع حوله الناس ويكوِّن أتباعًا، فعَنْ أنسٍ أنه سمع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( مررتُ يومَ أُسرِيَ بي بأقوام تُقرَض شفاهُهم بمقاريضَ من نار، قلت: مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: خطباءُ أمتِك الذين يقولونَ ما لا يفعَلون ) ) [2] .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن أولَ الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استُشهِد، فأُتِي به، فعرَّفه نعمه فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشهِدتُ، فقال: كذبتَ، ولكنك قاتلتَ لأنْ يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النَّار، ورجل تعلَّم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به، فعرَّفه نعمه فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمته، وقرأتُ فيك القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنك تعلَّمتَ ليقال عنك: عالم، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسُحِب على وجهه حتى ألقيَ في النار ... ) )، فهذا مصيرُ الذي لا يؤتَمن على العلم، فقد قام في مقامِ الأنبياء، ولكنه خان العلمَ الذي تعلَّمه؛ فعند الترمذيِّ عن كعب بن مالك قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من طلَب العلمَ ليُجاريَ به العلماءَ، أو ليماريَ به السفهاء، ويصرف به وجوهَ الناس إليه، أدخَله الله النَّار ) )؛ رواه الترمذي، والمماراة: المجادَلة والمناظَرة.
فالكلمة في الحقِّ لها ثوابُها الكبير؛ ففي الحديث الشريف، أن رجلًا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم:"أيُّ الجهاد أفضلُ؟ فقال: (( أفضلُ الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطان جائرٍ ) )؛ رواه النَّسائيُّ بإسنادٍ صحيح."
أما المنافقون فقد ضيَّعوا أمانةَ الكلمة، وتلاعَبوا في القول حتى خدَعوا المؤمنين، فإن جلَسوا معهم أظهَروا الإيمان، وتكلَّموا به، ولبِسوا لباسه، فلا يشُكُّ الجالس معهم أنهم مؤمِنون متحمِّسون لدِينهم، يقرَؤون القرآن، ويذكُرون الله، لكنهم إذا خلَوْا إلى شياطينِهم أظهَروا
(1) رواه الترمذي، وهو حسن صحيح.
(2) رواه أحمد، وهو حسن.