فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 156

رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف: 104، 105] ، كما ذكَر الله سبحانه وتعالى ما كان بين النبيِّ صلى الله عليه وسلم وكفَّار قريش لما سمعوا القرآنَ؛ قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [يونس: 15] .

إن قُرَيشًا تريد تبديل القرآنِ على هواها، وطلبَتْ ذلك من النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فبيَّن لهم أن هذا من عند الله، وأنه صلى الله عليه وسلم مبلِّغٌ فقط، يبلغ ما يوحَى إليه من ربه دون تبديل أو تغيير، فإن فعَل ذلك فله عذابُ يوم عظيم؛ فالأمر فيه ضبطٌ مُحكَم من الله، والله سبحانه عالِم أين يجعل رسالتَه في رسلٍ اختارهم يتحمَّلون الأمانة، وقال تعالى أيضًا مبينًا دقةَ البلاغ وأدائه كما أراد الله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 44 - 47] ؛ لذلك كان قولُ جميع الرسل لأقوامهم عند أداء الرسالة: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ} [الأعراف: 79] ، وقال أيضًا: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل: 35] .

ومن بعدِ الرسل يأتي العلماءُ العاملون الذين يحملون أمانةَ الكلمة، ويعمَلون على تبليغها للناس؛ فهم يسلُكون مسلك الرسل، لا يريدون مالًا لذلك ولا شُهرة؛ فعن أبي الدرداءِ قال: إني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من سلَك طريقًا يبتغي فيه عِلمًا، سلك اللهُ به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكةَ لَتضع أجنحتَها رضًا لطالب العلم، وإن العالِمَ لَيستغفر له مَن في السموات ومن في الأرض، حتى الحِيتانُ في الماء، وفضلُ العالم على العابد كفضلِ القمر على سائرِ الكواكب، وإن العلماءَ وَرَثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العِلم، فمن أخَذ به فقد أخذ بحظٍّ وافر ) )، وفي الحديثِ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن دعا إلى هدًى، كان له من الأجر مثلُ أجور مَن يتبعه، لا ينقُص ذلك من أجورِهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم مثلُ آثام مَن يتبعه، لا ينقُص ذلك من آثامِهم شيئًا ) ) [1] ، ولقد حث النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسلِمين على التبليغِ، ورغَّبهم فيه؛ فعن عبدِالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( نضَّر الله امرأً سمِع منا شيئًا فبلَّغه كما سمِعه، فرُبَّ مبلَّغ أوعى مِن سامع ) ) [2] ، وهو

(1) رواه الترمذي، وهو حسن صحيح.

(2) رواه الترمذي، وهو حسن صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت