الآخرَ، فالقاتلُ والمقتول في النار )) ، قالوا: يا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، هذا القاتلُ، فما بالُ المقتول؟ قال: (( لأنه كان حريصًا على قَتْلِ صاحبِه ) ) [1] .
وكما منَع الإسلامُ المسلمَ مِن قتل المسلم، منَع المسلم من قَتْل نفسِه، وجعل له عقوبة مماثلة لقاتله فيما لو قتله، فكما توعَّد القاتلَ بالنار، توعد أيضًا قاتل نفسِه بالنار؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( من تردَّى من جبل، فقتَل نفسه، فهو في نار جهنمَ يتردَّى فيها خالدًا مخلَّدًا فيها أبدًا، ومَن تحسى سَمًّا، فقتَل نفسَه، فسَمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسَه بحديدة، فحديدتُه في يدِه يتوجَّأُ بها في بطنِه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا ) ) [2] ، وعند البخاريِّ عن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( الذي يخنق نفسَه يخنقُها في النار، والذي يطعُنُ نفسه يطعُنُها في النار ) )، وعند البخاريِّ ومسلم عن الحسنِ البصري قال: حدثنا جندبُ بن عبدالله قال: (( كان برجلٍ جِراحٌ، فقَتَل نفسه، فقال: بدَرني نفسَه، فحرَّمتُ عليه الجنة ) )؛ أي: استعجَل موته.
وكما نهى الإسلامُ نهيًا قاطعًا عن قتلِ المسلم، نهى أيضًا عن ترويعِه بسلاح أو غيره؛ فعن أبي هريرةَ قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( من أشار على أخيه بحديدةٍ، لعَنَتْه الملائكةُ ) ) [3] ، وفي رواية زاد فيه: (( وإن كان أخاه لأبيه وأمِّه ) )، وعن جابر قال:"نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يُتعاطَى السيفُ مسلولًا"، وهو حَسَن، وعند الطبرانيِّ عن النعمانِ بن بشير قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يحلُّ لِمُسلمٍ أن يروِّعَ مُسلمًا ) ).
ورغم ما أوردناه من حُرمةِ دم المسلِم، والتَّشديد بالنكيرِ على القاتل، وأن نارَ جهنَّم تنتظره ليكون خالدًا فيها، رغم هذا كله، فقد حصَلَت حوادثُ مؤسِفة في ديار المسلمين، وظهرت فِتَن عمياء، أُرِيقت فيها دماءٌ كثيرة، فكان قتلُ عثمان بن عفان رغم تخويفه للقتَلة من عذاب جهنم، وكانت معركةُ الجمَل التي قُتِل فيها خلقٌ كثير، وكان ما بين عليِّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان من حروب، أشهرها: معركة صِفِّين، ثم الفتنة والحروب بين الأمويين والحسين بن علي،
(1) ) رواه البخاريُّ ومسلم.
(2) ) جامع الأصول 7735.
(3) ) رواه الترمذي، وهو حَسَن صحيح، ج 3 ص 314.