ومقتل الأخير، وصفوةٍ من أقربائه وأتباعه في كربلاء، ثم الفتنة والحروب بين الأمويين وعبدالله بن الزبير، ثم بين الأمويين والعباسيين ... إلخ، ولعل هذا قدَرٌ كُتب على الأمة؛ ففي الحديثِ الذي يرويه الترمذيُّ يقول: صلى النبيُّ صلى الله عليه وسلم صلاة فأطالها، فقالوا: يا رسول الله، صليتَ صلاة لم تكن تصليها، قال: (( أجل، إنها صلاةُ رغبةٍ ورهبة، إني سألتُ الله فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنَعني واحدة، سألتُه ألا يُهلِكَ أمتي بسَنَة فأعطانيها، وسألته ألا يسلِّطَ عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألتُه ألا يُذيق بعضَهم بأسَ بعضٍ فمنَعَنِيها ) ) [1] ، وهو حديث حَسَن صحيح.
ولقد حذَّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلِمين من الوقوع في الفِتَن، ومِن سَفْك دماء بعضهم بعضًا، ولكن الشقيَّ من يسقُطُ في الامتحان، وينسى تحذيرَ النَّبيِّ، والسعيد مَن يتذكر هذا، ويبتعد عن الفِتَن، وتبقى يدُه نظيفةً من سفك الدمِ الحرام؛ فعند البخاريِّ عن نافع مولى ابنِ عمر أن ابنَ عمر"أتاه رجُلانِ في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناسَ صنَعوا ما ترى، وأنت ابن عمرَ، وصاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنَعُك أن تخرج؟ فقال: يمنَعُني أن اللهَ حرَّم عليَّ دمَ أخي المسلم، قالا: ألم يقُلِ اللهُ تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ؟! فقال ابنُ عمر: قد قاتَلْنا حتى لم تكن فتنةٌ، وكان الدينُ لله، وأنتم تريدون أن تقاتِلوا حتى تكون فتنةٌ، ويكون الدِّينُ لغير الله" [2] ، وقد عَنَى ابنُ عمر بالقتال يوم كانت الغزوات مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان القتالُ لنشر الإسلامِ وإزاحةِ الكفر، وفي صحيحِ مسلمٍ عن عامر بن سعد قال:"كان سعدُ بن أبي وقَّاص رضي الله عنه في إبلِه، فجاء ابنُه عمرُ، فلما رآه سعدٌ قال: أعوذُ باللهِ من شرِّ هذا الراكب، فجاء فنزَل فقال له: أنزلتَ في إبلِكَ وغَنَمك وتركتَ الناس يتنازعون المُلْك بينهم؟ فضرَبه سعدٌ في صدره وقال: اسكت، سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن الله يحب العبدَ التقيَّ الغنيَّ الخفيَّ ) ) [3] ، وعمرُ بن سعد هذا كان من جُملة جيش ابنِ زياد الذي قتَل الحسين، ثم قُتِل في فتنة المختار الثَّقَفي؛ أي: إن كلامَه وتحريضَه لوالده أن يكون له باعٌ في هذه الفتنة ليصلَ إلى المُلك، وهذا يدل على نفسيةِ عمرَ بن سعد؛ أي: إنه طالبُ ظهور ومُلك، فلما يئس من والدِه الذي عرَف نفسيتَه، ذهَب وانضمَّ إلى الأمويين، فكان مصيره القتل الشنيع في هذه الفتنِ."
(1) ) رواه الترمذي، وهو حسن صحيح، ج 3 ص 314.
(2) ) جامع الأصول 7563، ج 10.
(3) ) المصدر نفسه 7465.