فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 156

وتصفر فيها الرياح، فلو نظر شخصٌ إلى مكانها لقال: لم يكن ههنا حياة من قبلُ، ألا بُعدًا لها من بلدة مغضوب عليها، استحقت عذاب الله، كما أُبعِدت وطردت من قبلها ثمودُ، فهما مكانَا مقتٍ وغضب ما يزال ساريًا إلى يوم الدِّين؛ فعن ابن عمر قال: نزَل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوكَ الحِجْر [1] ، عند بيوت ثمودَ، فاستقى الناسُ من الآبار التي كانت تشرب منها ثمودُ، فعجنوا ونصبوا القدور باللحم، فأمَرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور، وعلَفوا العجين الإبل، ثم ارتحل بهم حتى نزَل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقةُ، ونهاهم أن يدخلوا على القومِ الذين عُذِّبوا فقال: (( إني أخشى أن يصيبَكم ما أصابهم، فلا تدخلوا عليهم ) ) [2] ، وفي رواية أخرى أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تدخلوا على هؤلاء المعذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبَكم مِثلُ ما أصابهم ) )؛ رواه البخاري، وهذا يدل على نَبذِهم حتى قيام الساعة.

ذكَرنا أن الميزان آلةُ التناصف وإحقاق الحق، ومنها يظهرُ العدل في القسمة، كما تؤدى الحقوق المتفق عليها بين البائع والمشتري، كما أوردنا الآيات التي تدلُّ على طلَبِ الله سبحانه من عباده إقامةَ الوزن بالعدل: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 9] ، كما ذكرنا انتقامَ الله من قوم شعيب الذين اشتهروا بتطفيف الكيل والميزان، وهو أخذُهم السلعة زائدة الوزن، وبيعهم إياها ناقصة الوزن، فكانوا يسرقون من البائع إذا باعهم، ومن المشتري إذا باعوه، وهؤلاء بفعلهم هذا كانوا قدوةً لمن بعدهم من المطففين المحتالين بالوزن والمكيال، ثم ظهَر فيمن بعدهم حِيَلٌ كثيرة في اللعب بالميزان من حيث توازنه، أو من حيث أوزانه وصنجاته، فكان لا بدَّ لهؤلاء من مراقب ورادعٍ حتى تستقيمَ أمور الناس، ويسيرَ المجتمع الإسلامي دون منغِّصات، فكان عملُ المحتسب [3] في الإسلام يشتمل على مراقبةِ الكَيل والميزان؛ قال في الأحكام السلطانية: (ومما هو عمدةُ المنع من التطفيف والبَخْس في المكاييل والموازين والصنجات، لوعيد الله تعالى عليه عند نهيِه عنه، وليكن الأدب عليه أظهر، والمعاقبة فيه أكثر، ويجوز له - أي المحتسب - إذا استراب بموازين السُّوقة ومكاييلهم أن يختبرَها ويعايرها) ، ويقول أيضًا: (وإذا اتَّسع البلدُ حتى احتاج أهلُه فيه إلى كيَّالين ووزَّانين ونقَّادين،

(1) الحِجر: بلاد ثمود، واسمها الآن: مدائن صالح، وكانت غزوة تبوك سنة 9 هجرية.

(2) رواه أحمد.

(3) هو مَن يعيِّنه ولي الأمر من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ابتغاء مرضاة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت