الوصية الأولى
الإيمان بالله تعالى وعدم الشرك به
قال الله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] .
بدأ الله سبحانه وتعالى قولَه في هذه الآيات الكريمة بخطاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم ليدعوَ قومه، ويُسمِعهم ما حرَّم عليهم ربهم، فقال له: قل لهم يا محمد: تعالَوا إليَّ لأقصَّ عليكم وأخبرَكم بما حرَّم ربكم عليكم خبرًا يقينيًّا صادقًا أتى من السماء، ليس فيه ظن ولا تخرُّص، بل وحي من الله مبارَك، وأمر من عنده.
والأصل في استعمال كلمة"تعالوا"أنها كانت لخطاب أناس كانوا جالسين، فأُمروا بأن يقفوا أو يرتفعوا؛ ليصبحوا بمحاذاة من يخاطبهم، أو في مستواه؛ ليسمعوا الخطاب ويعُوه، ثم انتقل استعمالها من هذا الخصوص إلى العموم، فأصبحت تطلق للنداء، بأن أقبلوا وهلموا، وأما التلاوة: فهي الإخبارُ بما نزل، والتبليغ لأحكام الله، والإخبار هنا في هذا الآيات بما حرَّم لا بما أحلَّ - دليلٌ على أن الأصل في الأشياء الإباحة [1] ، وهذا فيه توسعة على الناس، بأن تركهم على ما هم عليه من مزاولة أعمالهم، وشؤون حياتهم، واستثنى منها ما أخبرهم بتحريمه ليجتنبوه، فكان هذا المحرمُ بمثابة استثناء الجزء من الكل، تمامًا مثل قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] ، فاستثنى الجزءَ من الكل، ويجب أن يكون التحريم صادرًا من الشارع الحكيم، لا عن الهوى والنفس؛ قال الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] ، وقال أيضًا: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] ، وقال أيضًا مبكِّتًا مَن يفعل هذا: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} [التوبة: 37] .
فالله سبحانه وتعالى هو العليم بما يحرِّم، وهو الخبير بما ينفعُنا وبما يضرُّنا، فله الأمر وله النهيُ؛ قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ
(1) ) في الموافقات للشاطبي: أن أصل الأشياء إما الإباحةُ وإما العفو، والعفو: التَّركُ.