وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: 157] ، وذلك بوَحْي من الله وإخبار منه، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك الذين مِن قبلِكم كثرةُ مسائلهم، واختلافُهم على أنبيائهم ) ) [1] .
وقد يكون الظلمُ مدعاةً للتحريم؛ قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] ، وهم اليهود؛ فقد حرَّم عليهم ربُّهم طيبات كانت حلالًا لهم، ومنَعهم منها جزاءً وفاقًا لظُلمهم، ولما بعَث الله لهم عيسى عليه السلام رسولًا أخبَرهم بأنه سيعيد للأصل بعضَ ما حرِّم عليهم، ليعود حلالًا طيبًا؛ قال الله تعالى: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50] ، ومِن استعراضنا لآيات التحريم ينحصر التحريمُ في ثلاثة أمور:
1 -تحريم ما يؤدي إلى الإخلال بالفطرة السليمة وتغيير الاعتقاد.
2 -تحريم ما يؤدِّي إلى الإخلال بنظام المجتمع من عادات وتقاليد ومعاملات غير سوية، فهذا النوعُ والنوع الأول هو ما سنتعرَّض له من خلال الآيات الثلاث في سورة الأنعام التي نحن بصدد شرحِ وصاياها.
3 -تحريم بعض المَطْعومات والمشروبات.
ففي النوع الأول، نرى التحريمَ من أجل صيانة النفس عن الكفر والإلحاد، وصيانة صاحبها من التعرض لِمَقْت الله وغضبه والسقوط في نار جهنَّم خالدًا فيها أبدًا.
والنوع الثاني، لصيانة المجتمع من التفكُّك والانحلال، وتفشِّي الفوضى، وانعدام الترابط والمحبة بين أفرادِه.
والنوع الثالث، لصيانة الفرد من الأمراض والآفات لتناولِه الخبائث، وعن هذا النوع قال ابن القيم:"مشارب تُفسِد العقول، ومطاعم تفسد الطِّباع وتغذي غذاءً خبيثًا، فصان بتحريم ما حرَّم من الأطعمة والأشربة العقولَ عما يُزيلها ويُفسدها، والقلوبَ عما يُفسِدها من وصول أثَر الغذاء الخبيث إليها".
ولنعُدْ بعد هذه المقدمة إلى الآية الكريمة، إلى الوصية الأولى: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] ؛ لنستنتج من النهيِ عن الشرك أن الأصل في عقيدة الإنسان التوحيدُ، والشرك طارئ على العقيدة، حالٌّ محلَّها بسبب مؤثراتٍ خارجية؛ قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ
(1) ) رواه البخاري ومسلم.