مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: 172] ، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( كل مولودٍ يولَدُ على الفطرة؛ فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه ) )، وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يقول الله: إني خلقتُ عبادي حنفاءَ، فجاءتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم ) )، وفي الصحيحينِ عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( يقالُ للرجل من أهل النارِ يوم القيامة: أرأيتَ لو كان لك ما على الأرض من شيءٍ، أكنتَ مفتديًا به، قال: فيقول: نعم، فيقول: قد أردتُ منك أهونَ من ذلك، قد أخذتُ عليك في ظهر آدم أنْ لا تشرك بي شيئًا، فأبيتَ إلا أن تشركَ بي ) )، فأنت ترى أن الإيمانَ بالله تعالى هو الأصل وهو الفطرة التي فُطِر الناس عليها، لكنهم بدَّلوا وغيَّروا في هذه الحياة الدنيا؛ حيث أغواهم الشيطان، وزيَّن لهم الشركَ؛ ليبعدَهم عن طريق النور، وهذا دأبه بعد أن طرده اللهُ من رحمته، فسخَّر نفسه للشر، ولتكثيرِ أتباعه؛ ليكونوا معه في نار جهنَّم، وهذه حكايته بعد أن عصى أمرَ الله تعالى، ورفَض السجودَ لآدم؛ قال الله تعالى: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 13 - 17] .
وفي سورة الحِجْر قال تعالى يبيِّن إغواء الشيطان للإنسان: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] ، وقد يقول الإنسان: كيف يُغوي الشيطانُ وهو لا يُرَى ولا نسمع له كلامًا .. إلى آخر ما يقال في هذا؟
أقول: إن أي فِعل يفعله الإنسان يكون فيه مخالفًا لِما أمر الله، فإنما يكون بوَحْي من الشيطان، وإن الله تعالى قد سلَّطه على الإنسان، وزوَّده بقدرة عجيبة لأداء عمله، وبالمقابل فقد زوَّد المؤمن بسلاح مضاد، وهو الإسلام؛ حيث رسم لنا الطريقَ الصحيح، فإذا سلكناه وَفْق هدى الإسلام، فلا تأثير للشيطان علينا؛ فإغواؤه للمسلم الملتزم يكون الوسوسة لترك الأفضل، فإن أراد الصلاةَ في المسجد مع الجماعة - مثلًا - يأتيه خاطرٌ أو وسواس يقول له: الطريق طويلة، والجو حار، إن كان في الحر، أو: الجو بارد، إن كان في البرد، ويظل يوسوس له لكي يؤديَ صلاته في البيت، وأن عُذْره في ذلك مقبولٌ، فإن سمع لهذا الهاجس وقعَد في البيت يكون قد أطاع رغبة الشيطان دون أن يدري، وإن رفض طاعته وغلب هذا الهاجس بما يعلَمُ من فضل