فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 156

الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( حاجَّ آدمُ موسى، فقال: أنت الذي أخرجتَ الناس من الجنة بذنبك وأشقيتَهم؟ قال: فقال آدمُ لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمرٍ كتَبه الله عليَّ قبل أن يخلقَني؟ أو قدره عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: فحجَّ آدمُ موسى ) ) [1] ، بقوله: (( أتلومني على أمرٍ قدره الله عليَّ قبل أن أُخلَق؟ ) ).

أقول: إنه لا بد من تعرُّضِ الشيطان للإنسان في هذه الحياة الدنيا، ولا يوجد إنسان على وجه الأرض يخلو من خطيئة، والمعصوم من عصَمه الله تعالى، لكن المهم ألا ينساقَ الإنسان وراء الشيطان، ويكون تابعًا له يُغويه ويغريه بفعل كل قبيح، إنما على الإنسان أن يشعُرَ ويستذكر ويتوب، كما فعَل آدم؛ قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] ، وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس قال في شرح هذه الآية:"أيْ ربِّ، ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي ربِّ، ألم تنفخ فيَّ من رُوحك؟ قال: بلى، قال: أي ربِّ، ألم تسبق إليَّ رحمتك قبل غضبك؟ قال: بلى، قال: أي ربِّ، ألم تُسكنِّي جنتك؟ قال: بلى، قال: أي ربِّ، أرأيت إن تبتُ وأصلحتُ، أراجعي أنتَ إلى الجنة؟ قال: نعم"، قال الله تعالى يصِفُ المتقين: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] ؛ فهذه صفاتُ مَن كان له قلب مبصِر واعٍ، إذا شعر بإغواء الشيطان له أو حصَل له إغواءٌ، تذكَّر، ورجع، وتاب، وعاد بعد المس من الشيطان ليُبصِرَ طريقه الحقيقيَّ، طريقَ النور والإيمان.

إن للشيطان مداخلَ كثيرة للإغواء؛ فهو مثلًا لا يغوي قويَّ الإيمان بالكفر ابتداءً، أو بالمعاصي الكبيرة الظاهرة، وإنما يدخُل عليه من مداخل الشبهات وصِغار الذنوب، فإن أطاعه في ذلك زيَّن له الوقوع في معاصٍ أكبرَ، وهكذا حتى يخرجَه من الإيمان، ومن كان يلَغُ في المعاصي الكبيرة، زيَّن له الأكبرَ حتى يوصلَه إلى الكفر، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن عرشَ إبليس على البحر، فيبعَثُ سراياه، فيفتنون الناس، فأعظمُهم عنده أعظمهم فتنة، يجيء أحدُهم، فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئًا، ثم يجيء أحدهم، فيقول: ما تركته حتى فرَّقْتُ بينه وبين امرأته، فيُدنيه

(1) جامع الأصول ص 124 ج 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت