فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 156

وقام رجل من بني خُدْرَةَ رهطِ أبي سعيد الخُدْريِّ يقال له: عبدُالله بن الحارث إلى رجل يقال له: الحارث بن عمرو، وكان ذا جُمَّة، فأخَذ بجُمَّته فسحبه سحبًا عنيفًا على ما مر به من الأرض حتى أخرَجه من المسجد، وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زوي بن الحارث فأخرَجه من المسجد إخراجًا عنيفًا.

فكان هذا حالَ المسلمين مع المنافقين الذين أظهَروا الإيمان، وأضمروا الكفرَ والحِقْد والكيد للمسلمين، فكانوا من شدَّةِ حِقدهم يطفُون على السطح، ويُبدون رؤوسهم الماكرة، خصوصًا إذا مر المسلمون بأوقاتٍ عصيبة؛ كيوم الخندق، ومن هذا الظهور كانوا يُعرَفون، وقد أطلَع النبيُّ صلى الله عليه وسلم حذيفةَ بن اليمان على أسمائهم، وذلك قبيل وفاته؛ ليعلمَهم ويراقبهم؛ لخطرِهم على المسلمين، ويكفي للتدليل على كفرِهم ما ورد في القرآن الكريم بشأنهم؛ قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 1 - 3] .

لا يوجد أضلُّ من المشرك؛ فهو ضائع تائه مضطرب التفكير، لا يستقرُّ على حال، وتراه في الأمورِ المهمة لا يستطيعُ أن يقطع فيها برأي صائب، يتصرَّفُ بوَحْي من شيطانه، فيزداد عمًى وتيهًا، يقف عاجزًا في النقاش الفكري، فيشعُرُ بفشلِه وضعفه؛ لذلك يجد أسرعَ وسيلة للتخلص من هذا النقاش والظُّهورِ بمظهر المنتصر: أن يأمرَ بقتلِ خصومه، والتخلص منهم؛ قال الله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125] .

وهذا مُشاهَد فيما مر من سِير الطُّغاة؛ فقد استحوذ عليهم الشيطان، وملَكهم، وسيَّرهم لخدمته، وهم الذين نفذ فيهم وعيده، فسخَّرهم للضلال، وملَك عليهم لُبَّهم وسَمْعَهم وبصرهم، فما عادوا يستطيعون منه فَكاكًا، إنما الفَكاك من الشيطان للذي يلجأ إلى اللهِ، ويستعيذُ به منه، أما هم فقد لجَؤوا إلى الشيطان، واعتصموا به؛ فسخَّرهم الشيطان لمآربِه، ورمى بهم بني جِلْدتِهم من البشر، فطغَوْا وافترَوْا وأتَوْا بكل قبيح ومنكَرٍ، وأعظمُ من هذا كلِّه، كفَروا بالله، وألْهَوا أنفسَهم أو شياطينهم؛ قال الله تعالى يبيِّنُ شدة أَسْرِ الشيطان لأتباعه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج: 3] ، وهؤلاء الذين ينساقون وراء الشيطان، إنما هم من ضِعافِ الإيمان الذين مرِضَتْ قلوبُهم؛ قال الله تعالى: لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت