فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 156

لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ [الحج: 53] ، فمِثْل هؤلاء استحوذ عليهم الشيطانُ، وسيطَر عليهم سيطرةً كاملة لا انفكاكَ منها؛ لأن قلوبَهم قَسَتْ وماتت؛ قال الله تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19] ، وهؤلاء الذين تعلَّقوا بالشياطين أصبَحوا خانعين لأن يستغلَّهم الشيطانُ أشدَّ الاستغلال، ويسخِّرَهم ليل نهار؛ ليؤدوا مهمتهم، فلا يعطيهم راحة، ولا يقيم لهم هدنة، إنما دأبُه استمرارُ أتباعِه في الإغواء والإضلال؛ قال الله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] ، والطامَّةُ الكبرى أن يستسلمَ الإنسانُ للشيطان، ثم يرى نفسَه أنه محقٌّ، أو أن تصرفاتِه كلَّها صوابٌ، وأن غيره مخطئ، فبهذا الاستسلام يكون قد سلَّم نفسَه للشيطان دون أدنى اعتراضٍ، وأصبَح يتصرَّفُ بوَحْي منه، فلا يعترض على الخطأ مهما كان، بل يراه صوابًا، وقد وصَف الله هذا الصِّنف فقال: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف: 30] .

* بين إبراهيم عليه السلام والنمرود.

ذكر الله سبحانه وتعالى ما جرى من نقاش بين إبراهيم صلوات الله عليه وبين الطاغية نمرود؛ فقد ادَّعى نمرود الألوهيةَ، وزعَم القدرة على كلِّ شيء، فقال له إبراهيم يبيِّنُ له قدرة الخالق الحق: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] ، فما كان من نمرود الذي تاه في الضلال والعمى إلا أن خذَله تفكيرُه، وانحط به إلى الحضيض فقال: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258] ، وبرهن على ذلك باقتراف جريمة منكَرة، فقتَل شخصًا وقال: أمَتُّه، وعفا عن آخر كان يُريد قَتْلَه وقال: أحيَيْتُه.

هذا المستوى من التفكير لا يحصُل من طفل صغير؛ لأن صاحب الفكر السليم عندما يسمع بأن الله يحيي ويميت، يتبادر إلى ذهنِه السليمِ قصةُ الحياة ابتداءً من العدم، وإيجادًا بكلمة: كن، فيكون حيًّا، وكن ميتًا فيكون ميتًا، أو تكون في القدرة على الإحياء بعد الإماتة الفعلية، كما في طلبِ إبراهيم من ربه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت