فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 156

وكتَب أهلُ سمرقند إلى عمر بن عبدالعزيز: إن قتيبةَ بن مسلم غدَر بنا، وظلَمنا، وأخَذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والإنصاف، فأذَنْ لنا، فليقدَمْ منا وفد إلى أمير المؤمنين، فأذِن لهم، وذكروا ظُلامتهم، فكتب عمرُ إلى عامله: إن أهل سمرقند قد شكَوْا ظلمًا أصابهم، وتحاملًا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي، فأجلِسْ لهم القاضي فلينظُرْ في أمرهم، فإن قضى لهم، فأخرِجْهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم قبل أن يظهَرَ عليهم قتيبةُ، ففعل الوالي ذلك، وقضى القاضي بأن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوا أهل سمرقند، فيكون صلحًا جديدًا، أو ظفرًا عَنوة، فقال أهل سمرقند: بل نرضى بما كان، ولا نجدد حربًا، وتراضَوْا بذلك، وهذا من عدلِ الإسلام وسموِّ القضاء فيه.

قال الله تعالى: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} [الأنعام: 152] .

الوفاء بالعهد، والوفاء بالوعد، أما الوفاءُ بالعهد فهو أن يعطي المسلمون عهدًا فيه التزام وضمان لغيرِهم، فيلتزموا بما عاهدوا، ونقيضه يسمَّى الغدر، أما الوفاء بالوعد، فهو أن يلتزم المسلم بما يعِدُ فيؤديَه، وهذا غالبًا يكون في التعامل اليومي بين المسلمين، ونقيضه يسمَّى الخُلْف.

ورد في مختار الصحاح: العهد: الأمان، واليمين، والموثق، والذمة، والحفاظ، والوصية؛ اهـ، وزاد في القاموس المحيط: والضمان والوفاء.

وقد أمَر الله سبحانه وتعالى المسلمين بالوفاء بالعهدِ، وأثابهم على ذلك، كما هدَّدهم إذا أخلُّوا بما عاهدوا أو غدروا، وقد ورد في ذلك آياتٌ كثيرة؛ قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [النحل: 91] ، وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 34] ، وتهدَّد سبحانه مَن ينقض العهدَ، فقال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] ، وقد بيَّن أن نقض العهد من صفات اليهود، فقال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] .

وعندما أمَر الله نبيَّه بإعلان البراءة من المشركين، ومنعهم من دخول مكة، جعَل لِمن لهم عهد عند المسلمين فسحةً كافية؛ ليبلغوا مأمنهم؛ وذلك مراعاةً من الله تعالى للعهود، فقال تعالى: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت