ثم إن زيادًا أرسل لمعاوية بنِ أبي سفيان وقال له: إني قد ضبطتُ لك العراق بشِمالي، ويميني فارغة، وهو بذلك يريد أن يضم له الحجاز، فلما بلغ أهلَ الحجاز ذلك، هُرِعوا إلى عبدالله بن عمر، وشكَوا إليه ذلك، وخافوا أن يليَ عليهم، فيعسفهم كما عسف أهل العراق، فقام عبدالله بن عمر فاستقبل القِبلة ودعا على زياد والناس يؤمِّنون، فطُعِن زياد بالعراق في يده، فكانت بثرة كالجمرة لم يُطِقْها، حتى كانت سببًا في موته.
أردتُ مما ذكرتُ أن ابن السِّفاح، مهما صلح حاله يرتد إلى نهاية قبيحة، ويعمل بأصله؛ لذلك نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الزواج بخضراء الدمن، وإنما أمَر بالتخيُّر للنطفة؛ لتنبُتَ في رحِمٍ طاهر، ومن هنا جاء حرص الإسلام على النقاء والعفاف والتشديد على مَنْع الزنا، وفرض له أقسى العقوبات؛ لأنه يريد مجتمعًا طاهرًا سويًّا لا يؤثِّرُ العِرق الدسَّاس في أخلاقِهم وسلوكِهم، يعرِفون حقوق بعضهم بعضًا، ويتعاملون بالمحبة والتآخي كما أمَرهم اللهُ وأوصاهم.
ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة قالت: إن عتبة - هو ابن أبي وقاص - عهِد إلى أخيه سعدِ بن أبي وقاص: أن ابنَ وليدةِ زمعةَ منِّي، فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح، أخَذه سعد، فقال: ابن أخي، عهِد إليَّ فيه، فقال عبدُ بن زمعة: أخي، وابنُ وليدة أبي، وُلِد على فراشه، فتساوقا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي، قد كان عهِد إليَّ فيه: أنه ابنه، انظُر إلى شَبهه، وقال عبدُ بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، وُلِد على فراشه.
فنظَر النبي صلى الله عليه وسلم إلى شَبهه، فرأى شَبها بينًا بعُتبة، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( هو لكَ يا عبدُ بن زمعة، الولدُ للفِراش، وللعاهر الحجَر ) )، ثم قال لسَوْدة بنتِ زمعة: (( احتجبي منه ) )لما رأى من شَبَهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله عز وجل، وكانت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم [1] .
من هذا الحديث يتبيَّنُ كم سبَّب الزنا من إحراج للولد، كل واحد يدعيه ليلحقه به، وشرح القصة: أنه كان للجاهلية إماءٌ يضربون عليهن ضرائب ويَزْنين، وهن البغايا اللاتي يكتسبن بالزنا، وكانوا يلحقون النسب بالزناة إذا ادَّعوا الولد، وكان لزمعة بن قيس أَمَة، وكان يطؤها، وكان له عليها ضريبة، فظهر بها حمل، وكان يظن أنه من عُتبة بن أبي وقاص، فإنه كان زنا بها، وهلَك عتبة كافرًا ولم يسلم، فعهِد إلى سعدٍ أخيه أن يستلحق الحمل الذي بأَمَة زمعة، وكان
(1) جامع الأصول، رقم: 8391.