فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 156

لقد أوصى اللهُ عباده بطاعة الوالدين، وأوجب ذلك، لكن تلك الطاعة مقيَّدةٌ في غير معصية الله؛ فالوالدان هما سبب إيجاد الولد في هذه الحياة، وتحمَّلاَ تبعة تربيته والعناية به حتى شبَّ وكبِر، وهذا عمل يستوجبانِ عليه الطاعة والبِرَّ، ولكن هذه الطاعة لها حدود، وحدودها أن تبقى في دائرة الإيمان، فلا يطاعان بمعصية؛ لأن ذلك يؤدي إلى معصيةِ المُوجِد، وهو الله سبحانه وتعالى، فطاعة المُوجِد مقدَّمة على طاعة من كان سببًا في الإيجاد؛ لأنه هو تعالى صاحب النِّعم، وهو المربي على الحقيقة، والحافظ، والمحيي، والرزاق، فلا تُقدَّم طاعةُ مَن كان سببًا ومسخِّرًا على طاعة مَن كان منشئًا وموجدًا؛ قال الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15] ، وفي آية أخرى قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8] ، ويروى أن سببَ نزولها كان في سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه، فلما أسلم علِمَت أمُّه، وهي حمنة بنت أبي سفيان، فقالت: يا سعد، بلَغني أنك قد أسلَمْتَ، فوالله لا يُظلني سقفُ بيت من الضِّحِّ [1] والرِّيح، وإن الطعام والشراب عليَّ حرام حتى تكفُرَ بمحمد، وكان أحبَّ ولدها إليها، فأبى سعد وبقيت ثلاثة أيام كذلك، فجاء سعدٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه، فنزلت هذه الآية، فأمره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يداريَها ويترضاها بالإحسان، ولقد استنبط الزمخشريُّ في تفسير الكشاف أمرينِ مهمين من خاتمة الآية: {إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8] ، قال: أحدهما: أن الجزاءَ إليَّ، فلا تحدِّثْ نفسك بجَفْوة والديك وعقوقهما لشركهما، ولا تحرِمْهما بِرَّك ومعروفَك في الدنيا، كما أني لا أمنعُهما رزقي - فهو لجميع مخلوقاتي، والثاني: التحذير من متابعتهما على الشِّرك، والحثُّ على الثبات، والاستقامة في الدين بذِكْر المرجِعِ والوعيد.

أما في غير المعصية لله تعالى، فطاعتُهما واجبة؛ فعن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأٌة أحبُّها، وكان عمرُ يكرهها، فقال لي: طلِّقْها، فأبيتُ، فأتى عمر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فذكَر ذلك له، فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( طلِّقْها ) ) [2] ، قال الترمذيُّ: حديث حسن

(1) الضِّح: أي البروز إلى الشَّمس.

(2) جامع الأصول ص 403 ج 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت