فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 156

مطرودين منبوذين، ثم ما لبث أن قُتِل بعد استسلام بني قريظة؛ لأنه كان السببَ في نقضِهم للعهد، وتحريضِهم على العدوان.

قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] ، وقال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86] .

إن الإيمان هدًى ونور؛ فالمؤمن منفتح القلب، منفتح البصيرة، ينظُرُ بنور الله، فِراستُه قوية، وذهنُه حاضر متوقد، لَمَّاح يدرك الأمور بجَلاء، إن جلَس إليه أحد يحدِّثُه بصدق وإخلاص، عرَف ذلك فيه، وإن جلس إليه أحدٌ يرائي وينافق، عرَف ذلك فيه، ففي قسمة غنائم هوازن نظَر ذو الخُوَيصرة التميميُّ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقال: اعدِلْ يا محمد؛ فإنك لم تعدِلْ، فقال عليه الصلاة والسلام: (( إن لم أعدِلْ فمن يعدِلُ؟ ) )، فعاد هذا المارق وقال:"هذه قسمةٌ ما أريد بها وجهُ الله"، معترضًا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ناسيًا وجوبَ طاعته، فنظَر إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فرأى فيه قسوةَ القلب، وتصرُّف شيطان مريد لا يكاد يختلفُ عن إبليسَ في الجحود والاستكبار والعصيان، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( سيخرُج من ضِئْضِئِ - أي: من جِنسه ونسله - هذا الرجلِ قومٌ يمرُقون من الدِّين، كما يمرُق السهمُ من الرَّميَّة ) ) [1] ، فكان من ضِئْضِئِه الخوارجُ.

والنبي صلى الله عليه وسلم رسولٌ موحًى إليه، مُلْهَمٌ، مُسدَّد، مبارَك، لا يرقى لنور إيمانه راقٍ؛ فهو سيِّد الأوَّلين والآخرين، سيد ولدِ آدم، صلى الله عليه وسلم.

ليس هذا المجال لذِكر صفات أبي بكر رضي الله عنه وفضائله، ولكن سأذكُر أمورًا مهمة في حياةِ أبي بكر، هدَى الله فِكره إليها، ونوَّر بصيرته في عملها، وهي تُعَدُّ دليلًا على مَن ملأ الله قلبَه بالإيمان، ووفَّقه اللهُ تعالى وهداه لأخذ الرأي الصائب فيها.

ففي اليوم الذي توفِّي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، طاش الناس، وفتَروا، وأصبحوا كالأيتام الصغار الذين فقَدوا عائلهم، وكانوا بحاجةٍ إلى رجُلٍ مثلِ أبي بكر، فرغم رقَّته ولِينه المعهودين، إذا به يظهرُ في هذه الساعة المهمة رجل الموقف، وتبدو منه صلابةٌ وجرأة، ووعي

(1) ) عن سيرة النبي لابن هشام ص 144 ج 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت