وفِكر لا يجارى في اتخاذ المناسب من الإجراءات والتدابير، ضعُف عمرُ في هذا الموقف رغم شدَّته المعهودة، وتضاءل أمام أبي بكر.
فدخل أبو بكر رابط الجأش إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونظر إليه وهو مسجًّى، فقبَّله، وقال: بأبي وأمي يا رسول الله، طِبْتَ حيًّا وميتًا، ثم خرج يقول: من كان يعبُدُ محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبُدُ الله، فإن اللهَ حيٌّ لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] ، فالتفَّ حوله الصحابةُ، وحتى لا يتفرَّق المسلمون، سارَع إلى سَقيفة بني ساعدة، إلى الأنصار الذين كادوا يُبرمون أمرًا بتولية زعيم منهم - عن حُسن نية - من أجل إنقاذِ الموقف، فخطَب فيهم، وأقنَعهم بأن الأئمةَ من قريش، وبُويِع رضي الله عنه، ووقى اللهُ المسلمين من شرِّ انقسام خطير، ولما ارتدت القبائلُ وقَف بحزم من هذا الأمر، واتَّخَذ قراراتٍ صائبة بوَحْي من إيمانه المشرِق الفيَّاض، وجهَّز الجيوشَ إلى المرتدِّين المدعين للنبوة، وإلى مانعي الزكاة، فكانت وقفة أعادت للإسلام كيانَه وقوَّته، وظهَر من وصاياه في الحرب والقتال أمورٌ تشهد له بالبراعة العسكرية، فكانت توجيهاتُه عاملًا مهمًّا من عوامل النصر، ولما أرسل عكرمةَ بن أبي جهل لقتال مسيلمة أمَره ألا يخوض معه قتالًا إلا بعد أن يصل إليه المدَدُ والقادة، وألا يتسرعَ بالهجوم على مسيلمة، لكن شجاعة عكرمةَ أبَتْ عليه الانتظار، فصادم مسيلمةَ، لكنه هُزم، فأرسل إليه أبو بكر رسالةَ معاتبة، وأمَره ألا يريَ جيش المسلمين القادم نفسه، حتى لا يتأثروا بما حدث، وتضعُف قواهم، بل أمره بالتوجه إلى مناطق عمان؛ ليقضي هنالك على بعض شراذم المرتدين، ومنعه من المشاركة مع خالد بن الوليد في قتال مسيلمة.
وفي فتوح الشام والعراق وجَّه القواتِ المتمرسة في القتال إلى دولتي الروم والفرس، وذلك بعد هزيمة المرتدين واستسلامهم مباشرة، وأعجز الروم في دخول أربعة جيوش من طرق مختلفة، فأوقَع في صفوفهم الارتباك والوهن، ولما اطَّلع على خطة الروم القاضية بتجميع جيش كبير وصدم هذه الجيوش الصغيرة، أمَرهم بالتجمُّع، وتوحيد القيادة، وأرسل إلى سيف الله خالد في العراق يستقدمه لحرب الروم، وتولِّي القيادة العامة في هذه المعركة الكبيرة، وكان النصر بإذن الله في اليرموك، ولبيان شفافيةِ فِكْر أبي بكر وتنوُّر قلبه وبصيرته: ما ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: خطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: (( إن الله عز وجل خيَّر عبدًا بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ذلك العبدُ ما عنده ) )، قال: فبكى أبو بكر - وفي رواية مسلم