فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 156

عظيمًا، فهل لي من توبة؟ فقال: (( هل لك من أم؟ ) )، قال: لا، قال: (( فهل لك من خالة؟ ) )، قال: نعم، قال: (( فبَرَّها ) ) [1] ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (( الخالةُ بمنزلة الأم ) )، قال الترمذي: حديث صحيح.

وفي الحديثِ عن ابن عمرو بن العاص، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( رضا الربِّ في رضا الوالدين، وسخط الربِّ في سخط الوالدين ) )؛ رواه الترمذي، وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم شابًّا يحتضر، فلقنه الشهادة فلم يستطِعْ نطقها، فقال: (( هل له أم؟ ) )، فقالوا: نعم، فطلبوها وسألوها عنه، فكانت غير راضية عنه، وسألوها الدعاء له، فلم تُجِب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إليَّ بحطب لأحرقه ) )، فرقَّ قلبها وسامحته، فنطَق بالشهادة، وحُلَّت عقدة لسانه، ومِن فضل بر الوالدين قصة أصحاب الغار؛ ففي البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيتُ إلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل، فسدَّت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا اللهَ بصالح أعمالكم، قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوانِ شيخان كبيران، وكنت لا أغبقُ قبلهما أهلًا ولا مالًا، فنأى بي طلبُ شجر يومًا، فلم أُرِحْ عليهما حتى ناما، فحلبتُ لها غبوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبقَ قبلهما أهلًا أو مالًا، فلبثت والقَدَح على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى برق الفجر، والصبية يتضاغَوْن عند قدميَّ، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرِّج عنا ما نحن فيه، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج ) )، والغبوق: شراب آخر النهار، والمعنى أنه ما كان يقدِّم عليهما في شرب حظهما من اللبن أحدًا، ويتضاغون: يصيحون من الجوع؛ (راجع تمام القصة عند البخاري أو مسلم) .

لقد عدَّ اللهُ عقوق الوالدين من الكبائر؛ لِما للوالدين من فضل كبير، وإن من أكبر العقوق وأشدِّه على الأبوين أن يكون ولدُهما جاحدًا ضالاًّ لا يلتزم منهج الإيمان، عند ذلك يشعرانِ أن قطعة منهما تحوم حول النار لتسقطَ فيها، فيتأذيان كثيرًا، ويجهدان في هداية ولدهما وترغيبه، وفي قصة ابن نوح عبرةٌ كبيرة، فكان كافرًا عاقًّا، ومع ذلك تعلَّق به قلبُ نوح عليه السلام؛ رغبةً في هدايته، فناداه في رقة وحنان؛ لينجوَ مع أبيه من العذاب الواقع بالكافرين: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42] ، ولكن

(1) جامع الأصول ص 406 ج 1 ورجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت