فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 156

فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: 11 - 25] [1] .

وهنا وقائعُ كثيرة ظهر فيها ضلال قريش، وتخبُّط عقولها في التيه، وعدم المقدرة على اتخاذ الموقف المناسب، حتى في أَحْلَك الساعات بالنسبة لها، وذلك يوم دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكةَ بعشَرة آلاف مقاتل، أرادوا المقاومة مضيِّعين فرصةَ الأمان الممنوحة لهم؛ (( مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومَن دخل المسجد فهو آمِن، ومَن أغلق عليه بابه فهو آمِن ) ).

ورَد في كتاب سيرة النبي لابن هشام:"أن صفيةَ بنت حيي بن أخطب قالت: كنت أحَبَّ ولدِ أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسرٍ، لَم ألقَهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخَذاني دونه، قالت: فلما قدِم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، ونزَل بقُباء في بني عمرو بن عوفٍ، غدا عليه أبي حُيَيُّ بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب، مغلِّسين، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيَا كالَّين كسلانين، ساقطين، يمشيانِ الهوينى، قالت: فهششْتُ إليهما كما كنت أصنعُ، فوالله ما التفتَ إليَّ واحدٌ منهما، مع ما بهما من الغمِّ، قالت: وسمعتُ عمي أبا ياسرٍ يقول لأبي حُييِّ بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفُه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوتُه والله ما بقيتُ" [2] .

هذا هو العقلُ الضالُّ الذي رأى أمامه الحقيقةَ، واعترف بها، ثم أراد أن يقاومَ النور والحق وهو يعلمُ - مما قرأ في التوراة - أنه ظاهرٌ منتصر، فأيُّ حُمق وأي ضلال أن يقف في وجه الدِّين الجديد الذي أخبر اللهُ عنه أنبياءه من قبلُ أنه ظاهر منتصر؟

إنه مشكلة العقل الجاحد، والفِكر المشرك الذي لم يُسعِفْ صاحبَه في الوقت المناسب، وقت الحاجة إليه، فأعماه عن طريقِ الحق والنور، ولبس عليه الأمرَ بعد معرفته ونصوعه، فسار معاندًا في طريق الضَّياع.

أما كان الواجب عليه أن يؤمن؟ وهو الذي قرأ التوراةَ، وعرف صفات النبي المرسَل، وأقسم في خَلوته مع أخيه أنه هو هو، وأنه يعرفه ويُثبِتُه، فلماذا وقَف ضده؟ إنه الضلالُ والعقل المظلم الذي خانه في الوصول إلى النورِ، وكانت عاقبةُ ذلك ذلاًّ له ولقومه، وإخراجًا لهم من المدينة

(1) ) سيرة النبي - ابن هشام ص 283 ج 1.

(2) ) سيرة النبي لابن هشام ص 141 ج 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت