وينهَبون، وينشرون الفاحشة أنَّى حلُّوا وأنَّى ارتحلوا، ويروي التاريخُ قصةً لامرأة شريفة وقعت في أَسْرهم مع أهلها وإخوتها، فقتلوا الجميع وأبقَوْها في أسرهم، ثم تعاقب على الزنا بها أربعة من قادتهم، ولما جاء وقت ولادتها، طلبوا امرأةً من بين الأسرى في معسكرهم تُجيد التوليد، فخرجت امرأةٌ وقامت بأمرها حتى وضعت وليدها، ثم جاء زوجها الأول مهنِّئًا، فقدم هدية وخرج، ثم دخل الزوج الثاني مهنئًا، وقدم هدية وخرج، ثم الثالث فالرابع، واستغربت المرأة ما رأته من أمر هؤلاء، فسألت أم الولد عن هؤلاء الأربعة، فأخبرَتْها عن أمرها وقَتْلِ جميع أفراد أسرتها، واستبقائها هي لجمالها، ثم قالت: هؤلاء الأربعة هم أزواجي، وماذا أفعلُ! تمنيت الموت مرارًا ... من هذه القصة المختصرة [1] نرى أن عقيدة هؤلاء تُبيح شيوعية النساء، ولم يكن عند هؤلاء أدنى كرامة في أن يتشاركوا زوجة واحدة، وأن يتشاركوا أيضًا في ولد واحد، فلمن ينتسب هذا المسكين؟ وكيف تكون حال الأمة لو شاعت هذه الأفكار؟ ولكن انسلاخ الإنسان عن أهم مقوم له في حياته - وهو عقيدته الإسلامية - جعل هؤلاء الناس في مصاف الحيوانات، لا كل الحيوانات، وإنما أنواع خسيسة منها كالخِنزير.
في عصر قباذ وكسرى والد أنوشروان ظهَر رجل يدعي مزدك يدعو إلى أفكار جديدة لم يعهَدْها من قبل الفُرس، زعم فيها المساواة بين الناس في كل شيء، وقال: إنه من كان عنده فضل من الأموال والنساء والأمتعة، فليس هو بأَولى بها من غيره، واستغل السفهاء والجهلة قوله هذا، فكاتَفوه وشايَعوه حتى قويَ أمرُهم، ودخل معهم الملك قباذ في ذلك، وأصبح لهم سلطان يمنعهم، فكانوا يدخلون على الرجل داره فيغلبونه على منزله ونسائِه وأمواله، ولا يستطيع الامتناعَ منهم، فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى صاروا لا يعرفُ الرجلُ منهم ولده، ولا المولود أباه، وقالوا لقباذ: إنك أثِمت مما عملتَ في الماضي، ولا يطهرك إلا إباحة نسائك، حتى إن كسرى ولد قباذ رجا مزدك ألا يقرَبَ أمه، وقبَّل من أجل ذلك رِجْليه النَّتِنتين كما يروى ...
وعند الطبري أن هذه من تعاليم زرادشت، وأن مزدك قد تابعه على ذلك، ودعا العامة إلى هذا الأمر، ثم يقول: (فحض بذلك السفلة على العلية، واختلط له أجناس اللؤماء بعناصر الكرماء، وسهل السبيل للغَصبة إلى الغصب، وللظَّلمة إلى الظلم، وللعهَّار إلى قضاء نهمتهم، والوصول إلى الكرائم اللائي لم يكونوا يطمعون فيهن، وشمل الناسَ بلاءٌ عظيم لم يكن لهم عهدٌ بمثله ...
(1) تمام القصة مفصلة في تاريخ الطبري، ج 10 ص 101.