فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 156

وقال تعالى: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النساء: 25] .

وذلك إذا أُحصِنت الأَمَة وزُوِّجت، فإن زنَتْ أقيم عليها نصفُ الحد المقرَّر على الحرائر، وهو خمسون جَلدة، ولا تُرجَم، وهنا نرى أن كلمةَ"فاحشة"تعني الزِّنا فِعلًا وممارَسة.

وتعني هذه الكلمة أيضًا اللواطَ بالذُّكْران، وعاب اللهُ على قومِ لوطٍ فَعلتَهم هذه؛ قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [النمل: 54] ، وقال أيضًا: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 28] ، وكذلك ذُكِرت الفاحشة في مجالِ توبيخ الذين يرمون المحصَنات بتهمة الزنا؛ قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] ، وأما قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] ، فقد ذكَر المفسِّرون: أن العرَبَ كانت تعيب الإعلان بالزنا، ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ومُتَّخِذةُ الخِدْنِ: هي التي ترضى أن تزنيَ بواحد فقط حتى تضعَ حملها منه، وقيل: هي التي تزني سرًّا، أما المُسافِحة فهي التي تزني علنًا، وتتخِذ ذلك عمَلًا لها، وهوًى في نفسِها.

لذلك أكد الله سبحانه وتعالى هذا المنعَ بآية مشابهة ذكَر فيها التحريم صراحة، فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف: 33] ، وعليه فلفظُ الفاحشة والفواحش، أريد به الزنا عمومًا، أو القذف به؛ كما مرَّ في الآيات الكريمات التي سبق ذِكرها.

لقد حرَّم الله سبحانه وتعالى الزِّنا، وجعل عقوبته كبيرة، خصوصًا للمحصن، ففي الحديث الذي يرويه مسلمٌ عن عُبادة بن الصامت، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( خُذو عني، خذو عني، قد جعَل الله لهن سبيلًا، البِكر بالبِكر جلدُ مائة ونفيُ سَنة، والثَّيب بالثيب جَلد مائة والرجمُ ) ) [1] ، وهذا صريحٌ في جلدِ غير المحصَن ورجمِ المحصَن، وهذه العقوبة الكبيرة لعِظَم الجريمة وفداحتها؛ لأن العقابَ يتناسب مع الذَّنب، فلولا أنه ذَنْب شنيع، لَمَا كانت عقوبتُه بهذه الشدة، وهذا كلُّه من حرص الإسلام على نظافة المجتمع الإسلامي وطُهره وعفافه، والمحافظة على النَّسل، وصيانة الأعراض، وصفاء العِرْق، وعدم وجود عرق مدسوس في الأسرة يُشارِكهم في الطعام والميراث، وهو ليس منهم، ويكون محرمًا عليهم، وهو ليس بمحرم؛ ففي الحديثِ الذي يرويه مسلم عن أبي الدرداء قال: نظَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بعض

(1) جامع الأصول رقم 1812.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت