فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا - فعجبنا لبكائه، أن يخبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خُيِّر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر هو أعلَمَنا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن من أمنِّ الناس عليَّ في صحبته ومالِه أبا بكرٍ، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي، لاتخذتُ أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقيَنَّ في المسجد باب إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر ) ) [1] ؛ رواه البخاري.
فلم يلحظ أحدٌ من الصحابة ما لاحظه أبو بكر، بل مرَّ عليهم الكلام وكأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم يخبرُ عن غيره، وفي رواية الترمذي:"فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخِ، يخبرُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن عبدٍ خيَّره الله بين أن يؤتيَه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، وهو يقول - أي أبو بكر: فديناك بآبائِنا وأمَّهاتنا، قال: فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو المخيَّرَ، وكان أبو بكرٍ أعلَمَنا به".
الرجُل الذي كان قبل الإسلام معروفًا بقسوة القلب وغِلَظ الطبع، إذا به بعد أن أشرق قلبُه بنور الإسلام يصبح عبقريًّا مُلْهَمًا، وقد شهد له النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوة الدين والعبقرية؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( بينما أنا نائمٌ رأيتني على قليبٍ - بئر - عليها دَلْو، فنزعتُ منها ما شاء الله، ثم أخَذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذَنُوبًا - الدلو العظيم - أو ذَنُوبين، وفي نزعه ضَعف، والله يغفر له، ثم استحالت غَرْبًا - الدَّلو العظيمة - فأخذها ابنُ الخطاب، فلم أرَ عبقريًّا من الناس ينزِعُ نَزْعَ عمرَ، حتى ضرَبَ الناس بعَطَنٍ - مكان تناخ فيه الإبل بعد الشرب ) ) [2] ؛ رواه البخاري ومسلم.
وإن قوة إيمانه هذه جعَلَت من قلبه شفيفًا يرى به ما لا يراه غيره، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (( اتقوا فِراسةَ المؤمن؛ فإنه ينظُرُ بنور الله ) ).
وكان عمرُ يحمل للجهاد في سبيل الله، فيُعطي الجَمل للرجُل، أو الجَمل للرجُلين، لِمَن يريد أن يجاهد، فإن كان المجاهد يقصِدُ الشام أعطاه جملًا؛ لكثرة العدو بها، وإن كان المجاهدُ يقصِد العراقَ، أعطى للرجُلين جملًا واحدًا؛ لقلة العدو فيها، وللترغيب للجهاد في الشام، فجاء رجل من العراق يريد أن يحتالَ ليأخذ جملًا، وهو يريد العراق، فقال: احملني وسحيمًا، فقال له عمر:
(1) ) جامع الأصول /6406.
(2) ) جامع الأصول /6442.