فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 156

أقول: إن القتلَ حقٌّ تعلَّق بذمة القاتل للعبد المقتول؛ ولهذا فإن توبة القاتل تُسقِط حق الله سبحانه وتعالى، ويبقى حق العبد، وعند الحساب يُرضي اللهُ سبحانه وتعالى المقتول بما يجعَلُه يتنازل عن حقِّه، فيعفو ويصفح، فإذا كان الدَّيْنُ وهو أسهلُ من القتل وإزهاق الروح، يبقى معلَّقًا بذمة المَدِين، ولا يُغفَر له ذلك إلا بالأداء أو بالمسامحة مِن الدائن، فدَمُ العبد المقتول أيضًا يبقى بذمَّةِ القاتل، ولا يزولُ إلا بالعفو أو بالأداء من الحسناتِ حتى يرضى ويصفَحَ.

ولقد وقعت جريمةُ القتل الأولى في عهدِ آدَمَ المبكِّر، في خصام هابيل مع قابيل؛ فذكَر القرآن تفصيلَ هذه القصة؛ قال اللهُ تعالى:

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 27 - 30] ، فكانت هذه الجريمةُ دافعها الحِقد والحسَد على أخيه؛ حيث تقبَّل اللهُ قربانَه، وهذا معناه الرضا عن قابيل، والموافقة على قسمة آدم، وعدم تقبُّل قربان هابيل، وهذا معناه أنه كان مخطئا؛ لعناده ومخالفة والده، لكنه رفض ذلك وعانَد، وخرَج عن أمر الله، فكان عصيانه مزدوجًا، كُفر وقتل؛ لذلك كان من الخاسرين، ثم قال الله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] ، وقد سنَّ هابيل سنَّة سيئة في البشرية؛ لذلك عليه وِزرها ووِزر مَن عمل بها إلى يوم القيامة؛ ففي الحديث عن عبدالله بن مسعود أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ليس من نفسٍ تُقتَل ظلمًا إلا كان على ابنِ آدمَ الأولِ كِفْل من دمِها؛ لأنه سنَّ القتل أولًا ) ) [1] ، وفي رواية: (( لأنه أولُ مَن سن القتل ) )؛ رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وقد عظَّم الله حُرمةَ دم الرجلِ المؤمن؛ فعن بُرَيدة قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( قتلُ المؤمن أعظمُ عند الله من زوالِ الدنيا ) ) [2] ؛ رواه النسائيُّ، وهو حَسَن، وفي رواية أخرى عن عبدِالله بن عمرو: (( لَزَوالُ

(1) ) جامع الأصول، رقم: 7723.

(2) ) المصدر نفسه 7719.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت