فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 156

الدنيا أهونُ على الله مِن قتل رجلٍ مسلم )) ، ولقد ذكَرْنا أن القتل جريمةٌ كبرى، وكبيرة عظمى من الكبائر، تجعلُ مرتكِبَها على شَفير جهنم، فإن تاب وندِم يُرجى له المغفرة؛ فعند البخاريِّ عن سعيدِ بن العاص، عن ابنِ عمرَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( لن يزالَ المؤمنُ في فُسحةٍ من دِينه ما لم يصِبْ دمًا حرامًا ) )، وقال ابنُ عمر:"إن من ورطاتِ الأمور التي لا مخرَجَ لِمَن أوقع نفسَه فيها: سَفْكَ الدَّمِ الحرام بغير حِلِّه )) [1] ، وهذا يعني بوضوحٍ ارتكابَه جريمة لا فَكاك من إثمِها وعذابها؛ لأنه أراق دمًا لا يستطيع جبرَه أو إعادته؛ فآكلُ المال إن تاب جبَر ما اقترف بردِّه، وأنَّى للقاتل أن يرُدَّ الروح؟ لكن حديث قاتل المائة الذي تاب، يعطي أملًا في التوبة، وفي رحمةِ الله الواسعة، حين يعطي المقتولَ جنةً عرضُها السموات والأرض ليصفَحَ عن القاتلِ التائب توبة نصوحًا، فما ورد من أحاديث غير هذا فيه تشديدٌ ونكيرٌ على القاتل وتخويف؛ لكيلا يُقدِم على هذا العمل؛ فعن معاويةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( كل ذنبٍ عسى الله أن يغفرَه إلا الرجلَ يقتُلُ المؤمنَ متعمِّدًا، أو الرجل يموت كافرًا ) ) [2] ؛ رواه النَّسائي، وهو حسن، أما القِصاص من القاتل، فعسى أن يكونَ كفَّارة له؛ كما ورَد في الحديث عن عُبادة بن الصامت قال: كنا عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: (( تبايعوني على ألا تشرِكوا بالله، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، قرَأ عليهم الآية، فمن وفى منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب مِن ذلك شيئًا، فعُوقب عليه، فهو كفَّارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فستَر الله عليه، فهو إلى الله؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفَر له) ؛ رواه الترمذي وقال: حسن صحيح."

قال الشَّافعيُّ: لم أسمَعْ في هذا الباب أن الحدَّ يكون كفَّارةً لأهله شيئًا أحسن من هذا الحديث.

وقد أمَر اللهُ المسلمينَ بالمحبَّةِ والوِداد، وحرَّم بينهم سَفْك الدماء، وأَكْل الأموال بالباطل، ومما ورَد في خطبة الوداع: (( فإن دماءَكم وأموالكم وأعراضَكم حرامٌ عليكم، كحرمةِ يومكم هذا، في بلدِكم هذا ) ) [3] ، وقال عليه الصلاةُ والسلام: (( إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما، فقتَل أحدُهما

(1) ) جامع الأصول 7716.

(2) ) جامع الأصول 7718

(3) ) رواه الترمذي، ص 313 ج 3، وهو حَسَن صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت