أنهم قوم بهتٌ، أهل غدر وكذب وفجور، قال: وأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلَمَتْ عمتي خالدة، فحسُن إسلامها" [1] ."
وهكذا نجدهم غيَّروا كلمة الحق قبل أن ينفضُّوا من مجلسهم.
ومن تبديلهم لكلمةِ الحق ما ذكَر الله عنهم، وأخبر ما فعلوه من تبديل الكلام، فقال: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} [البقرة: 58، 59] ، فتلاعَبوا وقالوا: حنطة في شعيرة، وفي رواية البخاري: كانوا يزحَفون على أستاههم، فقالوا: حبة في شعرة، وهذا بدل دخولهم كما أمَرهم الله أن يدخُلوا سجَّدًا؛ أي: راكعين، وهم يقولون: حطة، بمعنى: احطُطْ عنا خطايانا، أو بمعنى طلب المغفرة لِما ارتكبوه من مخالفات بعد خروجِهم مع موسى عليه السلام من مصرَ.
ولقد اشتهر اليهود بكَتْم العلم، فكشَف أمرَهم مَن يعلم السر وأخفى، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51] ، وهؤلاء المَعنيُّون بهذه الآية أحبار يهود، أمثال حيي بن أخطب وجماعته، الذين وفدوا على قريش ليحرِّضوهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم، فسألتهم قريش: أديننا خير أم دين محمد؟ فكان جواب هؤلاء الأحبار وفتياهم بمنتهى الكذب والمذلة، حيث قالوا: دينُكم خير من دينه، وأنتم أهدى منهم، وهم يعلمون أن قريشًا وثنيَّة تعبد الجبت والطاغوت، فكانت هذه الفتوى الضالة من أجل تجييش قريش وتهييجها ضد المسلمين، وكانت غزوة الخندق.
وقد ذكَر الله تعالى كِتمانهم للعلم في سورٍ كثيرة في القرآن الكريم؛ فقال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42] ، وقال أيضًا: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71] ، وقال أيضًا: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: 187] ؛ لذلك استحقُّوا اللعنةَ على كتمانِهم العِلم، وعدم الوفاء بكلمة الحق؛ قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] .
(1) سيرة النبي لابن هشام 138، ج 2.