وفي الحديثِ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن سُئِل عن عِلم فكتَمه، ألجَمه اللهُ بلجام من نار يوم القيامة ) ) [1] ، وهو حَسن.
قال الله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [المائدة: 68] ، فهل أقاموا التوراةَ والإنجيل؟ لقد بشَّرت التوراةُ بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإنجيل، وأُمِروا باتِّباع محمد صلى الله عليه وسلم، والإيمانِ برسالته، فخالَفوها، فما زادهم إشراقُ الحق ونصوعُه إلا طغيانًا وكفرًا؛ حيث رفَضوا الإسلام، بل عادَوْه وحاربوه، وبقِي النصارى على قولهم - الذي ما أنزَل اللهُ به من سلطان - بأنهم قالوا: إن اللهَ ثالث ثلاثة، وقالوا: إن الله هو المسيحُ ابن مريم، وهذا مِن تحريف كتبهم؛ إذ الصحيحُ أن عيسى عليه السلام جاءهم بالإيمانِ الصحيح الذي يدعوهم فيه إلى عبادةِ الله وحده؛ {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] .
وقال لهم أيضًا: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] ، فعند ظهورِ البينات والحجَّة البالغة، لجَؤوا إلى الكذب وقول: إن هذا سِحر، أو إن هذا ليس هو الرسولَ المنتظَر المخبَر عنه، فكذَّبوا وعانَدوا.
وقد دعاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى كلمةٍ سواءٍ؛ قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ؛ أي: اعبُدوا الله، ولا تتَّخِذوا البشَرَ أربابًا كما زعمتم عن عيسى ابن مريم، ودعا وفدَ نصارى نجرانَ إلى المباهَلة، وهي الملاعَنة، فرضُوا أولًا، ثم امتنعوا خوفًا؛ لعِلمهم أنهم على غير الحق؛ ففي الحديث عن حذيفة قال: جاء السيد والعاقب - صاحبا نجرانَ - إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعِناه فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعَلْ، والله لئن كان نبيًّا فلاعنَّاه لا نفلح نحن ولا عقِبُنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتَنا وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال:
(1) رواه أبو داود ص 321، ج 3.