فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 156

وسلم ولمن كان قبْلَه من الأنبياء بأنهم إن أشركوا - وهذا من باب ضربِ المثل بأعز الناس؛ لبيان عِظَم هذا الأمر، وعدم التساهل فيه - ليحبطَنَّ عملُهم السابق، وما قدموا من جهد، فيكون هباءً منثورًا، كأنهم لم يفعلوا خيرًا قط، وتكون النتيجة خسرانًا مبينًا، وقال تعالى أيضًا: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] ، فهل بعد هذا المَثَل والتشبيه من قول لقائل؟ فقد حُسِم الأمر، فأنَّى لإنسان أن يجمع رمادًا في يوم عاصف؟ وعلى هذا فلا تجتمع له الحسناتُ؛ لأنها لا تجتمع على أساس، كالذي يبني في الهواء، إذًا لا تعد شيئًا، وقال تعالى - وذلك لمزيد من البيان والتوضيح: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103 - 105] ، وقال أيضًا: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39] ، وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إن ابنَ جُدْعان كان في الجاهلية يصِلُ الرحِم، ويُطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (( لا ينفَعُه؛ إنه لم يقل يومًا: رب اغفِرْ لي خطيئتي يوم الدين ) ) [1] ، وبالمقابل، فإن باب التوبة مفتوح لِمَن كفَر أو أشرك؛ لكي ينيبَ إلى الله، ويتوبَ، ويؤمن به، فتحط عنه ذنوبه السابقة، وتفتح له صفحة جديدة، ففي الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله، أنؤاخَذُ بما عمِلْناه في الجاهلية؟ قال: (( من أحسَن في الإسلام، لم يؤاخَذْ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلامِ، أُخِذ بالأول والآخِرِ ) ) [2] ، ومعنى: (( في الإسلام ) )؛ أي: في العهد الذي ظهر فيه الإسلام؛ فالإسلامُ يجُبُّ ما كان قبله، ومما تقدم نجد عِظَم جريمة الشرك بالله، كما نجد بالمقابل مقدارَ الإيمان بالله، وسَعة عفو الله لخطايا عبادِه.

نذكر هذه القصة التي وقعت أحداثُها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لنتبين منها أن غيرَ المؤمن لا يُقبَل منه العمل الصالح، قال ابن إسحاق:"وكان - مخيريق - حبرًا عالمًا، ورجلًا غنيًّا كثيرَ الأموال من النخل، وكان يعرف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بصفتِه، وما يجد في علمه، وغلَب عليه إِلفُ دِينه، فلم يزل على ذلك حتى كان يوم أُحدٍ، وكان يوم السبت، قال:"

(1) ) جامع الأصول 232.

(2) ) جامع الأصول 7982.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت