الصحيح، فحامل كلمة التوحيد لا يُخلَّد في النار إن ارتكب ما يوجب عقابَه بها، وفي شرح صحيح مسلم للنووي على هذا الحديث وأمثاله قال:"وأن كل من مات على الإيمان وتشهَّد مخلصًا من قلبه بالشهادتين، فإنه يدخُل الجنة، فإن كان تائبًا أو سليمًا من المعاصي، دخَل الجنة برحمة ربه، وحرُم على النار"، قال:"وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجَب اللهُ تعالى عليه، أو بفعل ما حرَّم عليه، فهو في المشيئةِ، لا يُقطَع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه الجنةَ لأول وهلة، بل يُقطَع بأنه لا بد من دخوله الجنةَ آخرًا، وحالُه قبل ذلك في خطر المشيئة، إن شاء الله عذَّبه بذَنْبه، وإن شاء عفا عنه بفضله" [1] ، وفي الحديث الذي يرويه مسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنتُ رِدْفَ النبي صلى الله عليه وسلم على حِمار يقال له: عُفَير، قال: فقال: (( يا معاذ، تدري ما حقُّ الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ ) )، قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( فإن حقَّ الله على العباد أن يعبُدوا اللهَ، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله عز وجل ألا يعذِّبَ من لا يشرك به شيئًا ) )، قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أُبشِّرُ الناس؟ قال: (( لا تُبشِّرْهم فيتَّكِلوا ) ) [2] .
فالإيمان هو الأساس في عفو الله عن المقصِّرين من عباده، وأما الشرك فلا ينفع معه عملٌ صالح، ولا ينفع معه حُسن الخُلق، ولا لِين الجانب، ولا الكلام المعسول، ولا الظُّهور بمظهر المُحسِن الساعي في الخير، أو المنفِق في وجوه البِر، كما نشهد من أعمال بعض غير المؤمنين، أو نسمع عن أخبارهم ومساهماتهم في أعمال الخير، أو نقرأ ما في كتبهم من أخبار وآراء منصفة حول دفاعهم عن المظلومين، أو إشادتهم بالحق، كل هذا لا ينفعُ في الآخرة، لقد اختلط الأمر هذا على بعض المثقَّفين في التمييز بين المؤمن وغير المؤمن؛ حيث ادعى بعضُهم إيمانَ تولستوي وغاندي، وذلك من خلال ما قرؤوا لهما من بعض المقالات المنصفة، أو المواقف العملية التي تميل إلى جانب الحق، وحكَموا على نجاتهما ودخولهما الجنة، والآية التي سأوردها تبيِّن أنه لا نجاة لمشرك من عقاب النار والخلود فيها؛ لأنه لا نفعَ لعمل الخير مع اعتقاد الشرك أو الكفر؛ فالشرك جريمة لا تعدِلها جريمة، وطالما أن هذين الأديبين لم يصرِّحا بالإيمان، وبقيا على معتقدهما، فلا نجاة لهما، وهذا ما تحكُم به النصوص، ولا يغيِّر من حقيقة هذا الأمر دعوى مَن يدَّعي عكسه بغير علم؛ قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] ؛ فإن هذا تهديدٌ للنبي صلى الله عليه
(1) ) صحيح مسلم ص 220 ج 1.
(2) ) صحيح مسلم ص 232 ج 1.