فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 156

"لَمَّا حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ جاءه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهلٍ وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله ) )، فقال أبو جهلٍ وعبدالله بن أبي أمية: يا أبا طالبٍ، أترغبُ عن ملة عبدالمطلب؟ فلم يزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يعرِضُها عليه ويعيد تلك المقالة، حتى قال أبو طالبٍ آخر ما كلمهم: هو على ملَّة عبدالمطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أما والله لأستغفرنَّ لك ما لَم أُنْهَ عنك ) )، فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] ، وأنزَل الله تعالى في أبي طالبٍ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] [1] ".

وفي رواية أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعمِّه عند الموت: (( قل: لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة، فأبى، فأنزَل الله تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] .. الآيةَ"."

إن الشِّركَ من أكبر الكبائر، فلا ينفع المشركَ عملٌ صالح، ولا استغفار نَبي؛ لذلك قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] ، وفي الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: (( ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ ) )، قلنا: بلى يا رسول الله، فقال: (( الإشراك بالله، وعقوق الوالدينِ، وشَهادة الزور ) ) [2] ، وفي الصحيح أيضًا عنه صلى الله عليه وسلم، أنه سئل: أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: (( أن تجعلَ لله ندًّا وهو خلَقك ) )، قيل: ثم أي؟ قال: (( أن تقتلَ ولَدَك مخافة أن يطعَمَ معك ) )، قيل: ثم أي؟ قال: (( أن تزانيَ بحليلةِ جارك ) ) [3] ، فتبيَّن من هذا عِظَمُ الشِّرك، على أنه علينا أن نضعَ آية: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] في الحسبان؛ لنعلَمَ أن غيرَ الشرك وإن قبُح في الإثم، فإنه دون الشِّرك، فيحتمل أن يغفرَ اللهُ لصاحب الكبيرة من غير الشرك، كما هو مفهوم هذه الآية، ثم لنعلم أن من قال: (( لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه دخل الجنة ) ) [4] ، كما في

(1) ) صحيح مسلم ص 214 ج 1.

(2) ) جامع الأصول: 8226.

(3) ) صحيح مسلم.

(4) ) صحيح مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت