الشرك إثمٌ أعظم عند الله من الدمِ، وإن عمالك يقتلون ويكتبون: إن ذنبَ المقتول كذا وكذا، وأنت المسؤول عنه والمأخوذ به، فاكتب إليهم: ألا يقتُلَ أحدٌ منهم أحدًا حتى يكتب إليك بذَنْبه، ثم يشهد عليه، ثم تأمر بأمرك على أمر قد وضح لك، قال: بارك الله فيك يا أبا حفص، فكتب إلى الأمصار، فلم يضِقْ من ذلك إلا الحجاج؛ فإنه أمَضَّه وشقَّ عليه، وظن أنه لم يكتب به إلى أحدٍ غيره، فبحث عن ذلك فقال: من أين دُهينا؟ ومن أشار على أمير المؤمنين بهذا؟ فأخبِر أن عمر بن عبدالعزيز هو الذي فعَل ذلك، فقال: هيهات! إن كان عمرُ فلا نقض لأمرِه.
قال صاحب كتاب البداية والنهاية:"القرامطة شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس، بل وعبدة الأصنام، وأنهم فعَلوا بمكة ما لم يفعَلْه أحد، وكل مؤمن يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحادًا بالغًا عظيمًا، وأنهم من أعظمِ الملحدين الكافرين"؛ ففي حجِّ سنة ثلاثمائة وسبع عشرة، وفي يوم التروية [1] ظهَر القرمطي أبو طاهر بجيشه في مكة، فاستباح الأنفُسَ، ونهب الأموال؛ فقتَل في رحابِ مكة وشعابها وفي المسجد الحرام وفي جوف الكعبة من الحُجَّاج خَلْقًا كثيرًا، وجلَس أميرهم على باب الكعبة والناس تقتل حوله في المسجد الحرام، وهو يقول: أنا أخلُق الخَلق وأفنيهم أنا"، يقول هذا بكل وقاحة وتكبُّر، وكان الناس يفرُّون من أتباعه، ويتعلقون بأستار الكعبة، فلا يُجدي ذلك عنهم شيئًا، بل يُقتَلون وهم كذلك، فقتل الآلاف، ثم رمى القتلى في بئر زمزم، وترك الباقي كالتلال في الحرم، ثم هدم قبة زمزم، وقلَع باب الكعبة، وأخذ الحجر الأسود، ومزَّق كسوة الكعبة وهو يقول لأصحابه:"أين الطيرُ الأبابيل؟ أين الحجارة من سِجيل؟"، وخرجوا بعد هذه الجريمة الكبرى ومعهم الحجر الأسود الذي مكث في حوزتهم ثنتينِ وعشرين سنة."
وقد حاوَل أمير مكة ومن معه من جنده وأهله أن يستردوا الحجَر الأسود فلم يُفلحوا، وبذلوا المال فلم يُعِدْه لهم، بل قاتلهم حتى قتلوا جميعًا، وكان تفوق هذا القرمطي الملحد بسبب ضعف المسلمين وحكَّامهم، وابتعادهم عن التمسك الصحيح بشريعة الله؛ حيث الخلافة في بغداد ضعيفة، يتحكم في أمور الدولة الخصيانُ والعبيد والوزراء المفتونون بالمال والمتاع، فكلُّ همهم أن يحوزوا من الدنيا شهواتِها؛ من مال، وجوار، وضياع، وخَدَم ... ، فلم يلتفتوا إلى حراسةِ الدِّين، فكان أن طغى هذا القرمطي، ولقد عاقب اللهُ خليفة المسلمين الذي حصلت هذه الجريمة في
(1) ) يوم 8 ذي الحجة.