فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 156

الشَّهادة، وحذَّر من العدول عن الحقِّ، أو الميلِ عنه، أو الإعراض الذي يؤدي إلى تغييرِ الشَّهادة أو ضياعِ الحقوق؛ لأن اللهَ خبيرٌ بما نعمل.

وعلى المسلِمِ أن يأتيَ مِن نفسه للإدلاء بالشهادة، خصوصًا إذا احتيج إلى شهادتِه؛ فعند مسلِم عن زيدِ بن خالد أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ألا أخبِرُكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشَهادتِه قبل أن يُسأَلَها ) ) [1] ، وفي رواية مالك: (( هو الذي يخبِرُ بالشَّهادة التي لا يعلَمُ بها الذي هي له، فيأتي بها الإمام فيقضي له بها ) ).

وكما أمَر الله سبحانه وتعالى بالقِسط في الشهادة، وقولِ الحق ولو على النَّفس أو الوالدينِ أو الأقربين، فكذلك أرادها أن تكونَ بالعدلِ والحق أيضًا، وإن كانت بين الرجلِ وأعدائه، فلا يجب أن تُغيَّر أو تُكتَم، وإنما تؤدَّى على وجهها الحقِّ.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .

ومعنى: {لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} [المائدة: 8] : أي لا يحمِلَنَّكم بُغضُهم أو عداوتُهم على الظلمِ، وتركِ شَهادة الحقِّ.

وإنما عليكم رغم ذلك أن تسلُكوا طريقَ الحق والعدل معهم، وهذا العملُ هو الذي يُقرِّبُكم مِن التقوى، أو الذي يَقِيكم من النَّارِ.

قال الله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30] ؛ فعند الترمذيِّ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قام خطيبًا فقال: (( أيها الناسُ، عدلت شهادة الزور إشراكًا بالله ) )، ثم تلا هذه الآية، فما أغلَظَها من قبيح، وحريٌّ بالمسلم أن يبتعد عنها، وألا يدليَ بمثل هذه الشهادة إن كان يريدُ المحافظةَ على إيمانه؛ ففي الحديث المتَّفق عليه عن أبي بَكْرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( ألا أنبِّئُكم بأكبرِ الكبائر؟ ) )، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (( الإشراك بالله، وعقوقُ الوالدينِ ) )، وكان متَّكئًا فجلس، فقال: (( ألا وقول الزُّور ) ) [2] ، فما زال يكرِّرُها حتى قلنا: ليته سكَت، وفي الصحيحينِ عن أنس بن مالك قال: ذكَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الكبائرَ فقال: (( الشِّرك بالله، وعقوقُ الوالدينِ، وقتلُ النفس، وقال: ألا أنبِّئُكم بأكبرِ الكبائر؟ قولُ الزُّور، أو قال: شَهادة الزُّور ) )؛ أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية

(1) جامع الأصول 7700.

(2) رياض الصالحين جامع الأصول 8226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت