فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 156

فكما نهى عن التطفيف في الكيل والوزن، فإنه نهى عن أخذِ شِبر من الأرض بغير حق، فعند قسمةِ الأرض أمَر بالقسمة العدل؛ ففي البخاري ومسلم عن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال:"كان بيني وبين أناسٍ خصومة في أرض، فدخلتُ على عائشة فذكرتُ ذلك لها، فقالت: يا أبا سلمة، اجتنب الأرضَ؛ فإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من ظلَم قِيد شِبر من الأرض، طُوِّقه من سبع أرَضين ) ) [1] ، هذا وينبغي ألا يحتالَ أحدٌ عند مسح الأرض لقسمتها، فينقص من المقياس؛ ليعطيَ الأصغر وينال الأكبر، وعند البخاري عن عبدالله بن عمر أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من أخَذ شبرًا من الأرض بغير حق، خُسِف به يوم القيامة إلى سبع أرَضين ) ) [2] ، ومعنى طُوِّقه: يجعل في عنقه مِثلُ الطوق من هذه الأرض المغصوبة ليحملَه يوم القيامة."

ولا يسعنا بعد أن قدمنا من بسط لموضوع إقامة الحق والعدل في الميزان إلا أن نردد قولَ الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 - 9] .

ثم قال الله تعالى: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 152] ؛ أي: إلا طاقتها في كل تكليف من التكاليف، ومنه إيفاء الكيلِ والميزان، فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكنُ الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان، ويكون الوُسْع حسب الإمكانات المتاحة، فكلما تقدَّم العلمُ، وتقدمت صناعةُ المكاييل والموازين، كان الوُسع أدقَّ، وكذلك نوعُ الموزون يحدِّد الدقة؛ فالذهب وما شابهه يحتاج لبذلِ غاية الوُسع في الوزن، كما ينبغي على الوزان استعمالُ أحدث الموازين والمكاييل المتاحة.

لا أريدُ أن أتكلم عن موضوع التقليد للبضائع الجيدة، أو انتحال أسماء مشابهة لها، أو قريبة منها، لتغرير المشتري، كما لا أريد أن أذكرَ أسماء بعض الدول التي تعيش على صناعة تقليد المنتجات الشهيرة الموثوقة، فتلبس الأمرَ على كثير من المشهرين، وأذكر أنني كنت في بلدي عند أحد التُّجار، فأتى مندوب من دولة تشتهر بصناعة السمن والزبد، وقال للتاجر: أعطني عينة من سمن بلادكم - وهو من أجود أنواع السمن البلدي - لأصنع لكم مثلَه لونًا ورائحة وطَعمًا، فأعطاه عينة، فكان ذلك، وتهافت الناس البسطاء على هذا السمن ليشتروه؛ لرِخَصه بالنسبة

(1) جامع الأصول 6208.

(2) السابق 6210

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت