فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 156

سيطَر الشيطانُ على تفكيره، وزيَّن له سوء عمله؛ ليرى نفسَه أعلم العالمين، فيتمادى في الباطل ويجادل فيه.

هذه نماذج ممن شرح الله قلبَه بالإيمان، فكان ذا شفافية وتبصر، وممن أضلهم الله بالكفر، فعَمِيَت قلوبُهم فتاهت وحارت، ووقع أصحابُه في الجحيم.

إن المؤمنَ الحقَّ آمنٌ من مكر الشيطان وخداعه، وليس معنى هذا أن الشيطانَ لا يُغويه؛ فالشيطان لا يترك أحدًا من عباد الله إلا ويوسوس له، ولكن حصَّن المؤمنَ إيمانُه القويُّ بالله، فكلما وسوس له الشيطان، استعاذ بالله منه، ولجأ إلى الله، وعلينا أن نتذكر دائمًا العداوةَ بين إبليس وآدم، وأن نتذكر توعُّد إبليس لذرية آدم، وأن الله قد أبقاه لهذا الشيء؛ وذلك ليكون الإنسانُ في امتحان رهيب، ولكن إن فاز في هذا الامتحان، فله جنان النعيم خالدًا فيها أبدًا، يحيا فيها منعَّمًا، وقد ترك وراءه جميع أثقاله التي كانت على الأرض، فيأتي طاهرًا مكرَّمًا منعَّمًا معافًى غيرَ مبتلًى بما كان يعترضه على الأرض؛ حيث لا امتحان فيها ولا اختبار؛ فقد فاز في امتحان اللهِ ونجا ونجح.

قال الله تعالى: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 32 - 42] .

فهذه الآياتُ تبيِّن حِقد الشيطان على بني آدم، وأنه توعَّدهم بالإغواء، وقد قام الشيطان بمهمته هذه بدأب واستمرار دون كَلَل أو راحة، لا يجد منفذًا للإغواء إلا نفذ من خلاله، وإذا فشل في مهمته عاد وحاول وحاول دون أن يفتُرَ، وكانت بدء محاولاته مع آدم وزوجته حواء؛ قال الله تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 35، 36] .

وقد كانت وسوستُه لآدم سريعة؛ حيث لم يكن إلا هو وزوجته من البشر، فركز اهتمامه عليهما حتى أغواهما، وجاء في الحديث:"ما غابت الشمسُ من ذلك اليوم حتى أُهبِط من"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت