يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر: 28، 29] ؛ فالمنطق الصحيح في قول مؤمِن آل فرعون، وأما الاستبداد في الرأيِ، والعقلُ الضَّيِّقُ، ففي قول فرعون وهو يدعو قومَه ألاَّ يروا إلا ما يراه هو لهم، وهو في نظره سبيلُ الرشاد، لقد خوَّفه مؤمنُ آل فرعون من بأس الله، لكن فرعون تمادى في الباطل، ولا يريد لصوتٍ أن يُسمَع إلا صوته، ولما رأى مؤمن آل فرعون ذلك، انتهج نهجًا جديدًا لعله يُجدي مع فرعون وقومه فقال لهم: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ} [غافر: 30] ، والمقصود بذلك الأحزاب الذين تحزَّبوا بكُفرهم ضد أنبياء الله، ثم ذكَر الله هؤلاء الأحزاب فقال: {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} [غافر: 31، 32] ، إلى اليوم الذي يُنادَى فيه على الأمم؛ ليُعرَف مؤمنُهم من كافرهم، وليُوجَّهوا إما إلى النار وإما إلى الجنة، ويعرفهم بحقيقة هذا اليوم؛ قال تعالى: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [غافر: 33] ، ثم يذكِّرهم بما جاء به يوسف عليه السلام: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 34] ، وهذا يدلُّ على عِلمه بما مضى، وثقافته الواسعة، إضافة إلى إيمانه القوي، ويختم اللهُ سبحانه وتعالى هذه المحاورةَ بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون بإثبات العقلِ والرَّشاد لأهل الإيمان، وضَعفِه وتخبُّطه عند أهل الكفر، وأن قلوب الكفارِ بما حوت من ضلال وكفر، قد طُبِع عليها، فعَمِيَت، وزال عنها كلُّ حسٍّ أو إدراك؛ قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] ، ثم يطيش عقلُ فرعون أكثرَ عندما يطلب من وزيره الضالِّ أن يبنيَ له صرحًا؛ لكي يطَّلعَ على إله موسى، وكأنه يظن من جهله وسوء إدراكه أن إلهَ موسى يُقِيم في برجٍ أو ما شابه ذلك؛ قال الله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ} [غافر: 36، 37] ؛ قال في فتح القدير: وفي هذا دليلٌ على أن فرعونَ كان بمكان من الجهل عظيمٍ، وبمنزلة من فهم حقائق الأشياء سافلة جدًّا، وهذا كله بسبب الكفر؛ فقد