وعلى الولد ألا يقطع برَّه لأبويه بمجرد موتهما، بل يبَرُّهما بالدعاء لهما، والأداء عنهما؛ ففي الحديث الصحيح: (( إذا مات ابنُ آدم انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) )، وعند أبي داود عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجلٌ من بني سَلِمةَ فقال: يا رسول الله، هل بقي من برِّ أبويَّ شيءٌ أبَرُّهما بعد موتهما؟، فقال: (( نعم، الصلاةُ عليهما - بمعنى الدعاء - والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدِهما من بعدهما، وصلة الرَّحِم التي لا توصَلُ إلا بهما، وإكرام صديقِهما ) ) [1] .
وعند مسلم عن بُريدة بن الحصيب قال: بَيْنا أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتته امرأةٌ، فقالت: إني تصدَّقتُ على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال: (( وجَب أجرُك، وردَّها عليك الميراث ) )، فقالت: يا رسول الله، إنها كان عليها صوم شهر، أفأصومُ عنها؟ قال: (( صومي عنها ) )، قالت: إنها لم تحجَّ قط، أفأحج عنها؟ قال: (( حجي عنها ) ) [2] ، وعند مسلم عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إن من أبرِّ البرِّ صلةَ الرجلِ أهلَ ود أبيه بعد أن يولي ) )؛ أي: أن يصلَ أصدقاء أبيه بعد موته.
ولا يخفى أثر بر الوالدين على الولد البار؛ فالله سبحانه وتعالى يُطيل عُمره ويتوفَّاه على الإيمان، ويُكثر في الدنيا رزقه، ويسوقه سوقًا إلى الحسنات، فتراه منعَّمًا مكرمًا، وضيءَ الوجه، محفوظًا من المصائب العاتية، والبلايا الجائحة، مُبارَك له في ماله وولده، أنَّى توجه يلقى الخير، وحول هذا الأمر أخبارٌ كثيرة موثوقة تُظهِر أثَر بر الوالدين على الولد البار، وفي الحديث الذي يرويه البخاريُّ عن أبي هريرة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( من سرَّه أن يبسُطَ الله له في رزقه، وأن ينسَأَ له في أثَره، فلْيصِل رحِمه ) ) [3] ، و"ينسأ له في أثره"؛ أي: يزيدَ في عمره، أو يُباركَ له فيه.
فهذا في برِّ الأقارب وصلتهم، فكيف في الوالدينِ الذين هم سبب في هذه القرابة؟ إن الأجر لأعظمُ، وببركة بر الوالدين يغفر الله الذنب؛ ففي الحديث الذي يرويه الترمذي عن ابن عمرَ رضي الله عنهما أن رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ ذنبًا
(1) جامع الأصول ص 407 ج 1.
(2) المصدر نفسه ص 404 ج 1.
(3) المصدر نفسه ص 488 ج 6.