فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 156

لزمعة ابنٌ يقال له: عبد، فخاصم سعدًا في الغلام الذي ولدته أَمَة زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي عتبة، على ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وقال عبدٌ: هو أخي، وُلِد على فراش أبي، ومِن أمَتِه على ما استقرَّ عليه حُكم الإسلام، فقضى به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لعبد، وأبطل حُكم الجاهلية، وإنما قال لسودة: (( احتجبي منه ) )على سبيل الاستحبابِ؛ لما رأى من شبهه بعتبة، وأنه ربما كان مخلوقًا من مائه.

وهذا أيضًا من أضرار الزنا، فرغم أن حكم الإسلام قضى به لصاحب الفراش، فإن ذلك الولدَ لم يكن خاليًا من الشُّبهة؛ لذلك قال لسودة: (( احتجبي منه ) )، رغم أنها ستكون أختَه حسب قضاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن سودةَ هي بنتُ زمعة بن قيس، فيكون هذا المولود أخاها من أبيها، ومع ذلك احتجبت منه للشُّبهةِ القائمة.

وفي قصة المتلاعنين التي حصلت في زمن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ حيث لاعَن هلال بن أمية زوجته، وقذَفها بالزنا من شريك بن سَحْماء، وهنا أنكرت المرأة، وفرَّق النبيُّ بينهما، ولما ولَدت وليدها، نُسِب إلى أمه، وهكذا وقَع هذا المولود في شر أعمال والدته التي جلبت له العار.

ومع أن الإسلامَ شدَّد على منع الزنا، وبالَغ في النكير والعقوبة على مرتكبيه، فإنه أيضًا لم يأخذ بالشُّبهة في هذا الأمر، وإنما احتاج إلى يقينٍ؛ لخطورة عواقبه، فمنَع الخوض في أعراض الناس، فمن رمى مسلمًا أو مسلمة في عِرضه، كان جزاءَه الجلدُ ثمانين جلدة، ولا تُقبَل له شهادة أبدًا، وأن هذه التهمة لا تثبُت على أحد إلا بشهادةِ أربعة شهود عدول، أو بإقرار، أو بحمل، كما مر في الحديث السابق، كما منع الإسلامُ المتشكك في أهله؛ فعند البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، وُلِد لي غلام أسود، وهو يعرِّض بأن ينفيه، فلم يرخص له في الانتفاء منه، فقال: (( هل لك من إبل؟ ) )، قال: نعم، قال: (( ما ألوانُها؟ ) )، قال: حُمْر، قال: (( هل فيها من أورَقَ؟ ) )؛ أي: أسود؟ قال: نَعم، قال: (( أنى ذلك؟ ) )، قال: لعلَّه نزَعه عِرق، قال: (( فلعلَّ ابنَك نزعه عِرق ) ) [1] ، فبرهن له عليه الصلاة والسلام بما أقنَعه؛ ليبعد عنه الشك، طالما أنه لم يرَ من زوجته ما يدعو إلى الشكِّ بها، فتنهدم حياتهما، ويعود ذلك بالوبالِ على أبنائه.

(1) جامع الأصول، رقم: 8395.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت