فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 156

وفي الموطأ من حديث سليمان بن يسار قال: إن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه كان يُلحِق أولاد الجاهلية بمن ادَّعاهم في الإسلام، فأتى رجُلان، كلاهما يدَّعي ولد امرأة، فدعا عمرُ قائفًا - أي يعرف الآثارَ والشَّبَه - فنظَر إليهما، فقال القائفُ: لقد اشتركا فيه، فضربه عمر بالدِّرَّة، وقال: ما يدريك؟ ثم دعا المرأة فقال: أخبريني خبَرَك، فقالت: كان هذا لأحد الرَّجلين يأتيها وهي في إبل لأهلها، فلا يفارقها حتى يظنَّ وتظن أن قد استمرَّ بها الحمل، ثم انصرف عنها، فهريقت عليه الدماء - أي حاضت بعد ذلك - ثم خلَفه الآخر، فلا أدري: من أيهما هو؟ فكبَّر القائف، فقال عمرُ للغلام: والِ أيَّهما شئتَ [1] ، وعند أبي داود عن رباحٍ قال:"زوَّجني أهلي أَمةً روميةً، فدخلت بها فولدت غلامًا أسود مِثلي، فسمَّيته: عبدالله، ثم وقعتُ عليها فولدتْ غلامًا أسود مثلي، فسمَّيته: عُبَيدالله، ثم طبن لها - أي: أفسَدها عليَّ - غلامٌ من أهلها رومي، يقال له: يوحنه، فراطنها بلسانه فولَدت غلامًا كأنه وزغةٌ - شديد البياض - من الوزغات، فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هذا ليوحنه، فرفعنا إلى عثمانَ بن عفان، فسألهما، فاعترفا، فقال لهما: أترضيان أن أقضيَ بينكما بقضاء رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قضى أن الولدَ للفراش، فجلَدها وجلَده، وكانا مملوكينِ".

فهذه المرأةُ أدخلت على بيتِ رَباح ولدًا ليس منهم، ولكن بما أنها ولدته وهي على ذمَّةِ رباح، فإنه أُلحِق به رغم اعترافِها بالزنا من غيره، ورغم شكله الذي يخالِفُ شكل أبيه وإخوته عبدالله وعبيدالله، وهذا من قبيح فِعل الزنا، وما يجلبه من مهانةٍ ومذلَّة، وقد توعَّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِثْلَ هذه المرأة فقال: (( أيما امرأةٍ أدخَلت على قوم مَن ليس منهم، فليست مِن الله في شيء، ولن يُدخِلَها الله الجنة ) ) [2] ، وأن سلامة النَّسب ونقاءَه يُعَد مفخرةَ المسلمين، ويدعو إلى الفخر والسرور؛ ففي الصحيحين عن عائشةَ رضي الله عنها قالت:"إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دخَل علَيَّ مسرورًا تبرُق أسارير وجهه، فقال: (( ألَم تري أن مُجَزِّزًا المُدلِجيَّ نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامةَ بن زيد فقال: إن هذه الأقدامَ بعضها من بعض ) )؛ وذلك أن زيدَ بن حارثة كان أبيضَ مثل القطن، وكان ابنه أسامةُ أسودَ مِثل القار، وهذه شهادةٌ من القائفِ مُجزِّز المُدلجيِّ بصحة النسب؛ مما أدخَل السرورَ على النبيِّ عليه الصلاة والسلام لحبِّه لهما."

الحاقدون على الإسلامِ والمسلمين يعمَلون على سلبِ هذه الميزة منهم:

(1) جامع الأصول 8399.

(2) جامع الأصول 8405.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت