فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 156

منه، ويلتزمه، ويقول: نعم أنت )) [1] ، وقد ورد في خطبة حجة الوداع أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( أما بعدُ أيها الناس، فإن الشيطانَ قد يئِس أن يعبدَ بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه إن يُطَعْ فيما سوى ذلك، فقد رضي به، مما تحقرون من أعمالكم؛ فاحذَروه على دينكم ) ).

ففي صحيح مسلمٍ عن أبي ذر أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تحقرَنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوَجْهٍ طلق ) )، وفي حديث حذيفةَ: (( كلُّ معروفٍ صدقة، وإن من المعروفِ أن تلقى أخاك بوَجْهٍ طلق، وأن تُفرِغَ من دَلْوِك في إناء أخيك ) )، لو تركت هذه لطلب ما هو أكبر منها، فهو إذًا لا يدخل على المؤمنين من باب الشِّرك، ولكنه يدخُل من باب الصغائر والأمور التي قد لا يُلقي المسلمُ لها بالًا، فتهوي به في النار سبعين خريفًا، ومِن تلبيس الشيطانِ على المسلم أن يأتيَه مِن باب أهونِ الشَّرينِ إلى أن يقعَ في الكبائر؛ ففي البخاري عن أبي مالكٍ الأشعري قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ليكونَن من أمتي قومٌ يستحلُّون الحِرَ والحرير والخمرَ والمعازف ) ) [2] ، والحِرُ: فرج المرأة، والمقصود: استحلال الزنا، وأما استحلال الخمر، فقد ورد أن أناسًا يسمُّونه بغير اسمه كي يستحلُّوا شُربه، وأما المعازف فقد فشَتِ اليوم وأصبحت لا تُستنكَرُ، كأنها حلال.

ويأتي الشيطان من أبواب مدَّعي العلم وهم جهلاء، وممن يحب الصدارة وكثرة الأتباع، فيبتدع لهم من الدِّين ما يُرضيهم حتى يكونوا من شيعته، وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن مِثل هؤلاء؛ ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: يرويه عنه يزيد بن عميرة، أنه كان لا يجلس مجلسًا للذِّكر إلا قال حين يجلس:"الله حَكَم قِسط، هلَك المرتابون"، فقال معاذ بن جبل يومًا:"إن وراءكم فتنًا يكثُر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذَه المُؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والعبد والحر، والصغير والكبير، فيوشك قائلٌ أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأتُ القرآن؟ وما هم بمتبعيَّ حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع؛ فإنما ابتدَع ضلالة، وأحذِّركم زَيْفةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق"، قال: قلت لمعاذ: وما يُدريني - رحمك الله - أن الحكيمَ قد يقول كلمة الضَّلالة، وأن المنافقَ يقول كلمةَ الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتَهِرات - المشتبهات - التي

(1) جامع الأصول ص 54 ج 10.

(2) المرجع نفسه ص 42 ج 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت