المتشابه بمثابة اختبار يمتاز به العالِم عن الجاهل؛ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما:"تفسير القرآن على أربعة وجوه:"
1 -تفسير يعلَمُه العلماء.
2 -وتفسير لا يُعذَر الناس بجهالته من حلال أو حرام.
3 -وتفسير تعرِفه العربُ بلُغتِها.
4 -وتفسير لا يعلَمُ تأويله إلا الله، من ادَّعى عِلمه، فهو كاذب"؛ رواه ابن جرير."
وأما ورد من آيات تبين أن القرآن كلَّه محكَم، فمعناه في غير هذا التقسيم؛ قال الله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1] ، والمراد بالمحكَم هنا: أنه صحيحُ الألفاظ، قويم المعاني، فائق البلاغة والفصاحة على كلِّ كلام آخَر، وكذلك ما ورد من أنه متشابِه كله، فكذلك في غير التقسيم السابق؛ قال الله تعالى: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23] .
وهو هنا أنه يشبِه بعضُه بعضًا من حيث الصحة، والفصاحة، والبلاغة، والحُسن، فهل ينبغي لإنسان أن يخوضَ في المتشابه الذي اختص اللهُ نفسَه بعلمه؛ ليدل بذلك على عجز أهل العلم وفصحاء العرب، بأنهم قاصرون مهما بلغوا من العلم، وأن لعلمهم حدًّا يقفون عنده؟ فكما ميَّزهم بعلمهم عن مَن هم أدنى منهم؛ بحيث جعل لهم متشابهًا من القرآن يصِلون إلى معرفته، فكذلك خص اللهُ نفسَه جل شأنه بنوع من المتشابه لا يصل لمعرفته أحدٌ إلا هو سبحانه؛ لذلك فالخوض في هذا النوع ممنوعٌ؛ لأنه خوض في تأويل المستحيل، ومَن ادعى أنه استنبط منه علمًا ومعرفة - سوى الله - فقد كذَب، وعند الدارمي:"أن رجلًا يقال له صَبيغٌ قدِم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمرُ وقد أعدَّ له عراجين النخل، فقال عمر: مَن أنت؟ قال: أنا عبدُ الله صبيغ، فقال: وأنا عبدُ الله عمرُ، فأخذ عمرُ عرجونًا من تلك العراجين فضرَبه به حتى دَمِي رأسُه، فقال: يا أمير المؤمنين، حسبُك، قد ذهب الذي كنتُ أجِدُ في رأسي"، ومع ذلك فقد كتب عمرُ إلى أهل البصرة أنْ لا يجالسوا صبيغًا.