المنصور وجلس ناحية المسجد وأرسل للرجل يدعوه، فأقبل وسلَّم عليه بالخلافة، فقال المنصور: ما الذي سمعتُك تذكُر من ظهور البغي والفساد في الأرض؟ وما يحُول بين الحق وأهله من الطمع؟ فوالله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني - أوجعني - قال: يا أمير المؤمنين، إن أمَّنتَني على نفسي أنبأتُك بالأمور من أصولها ... ، فقال: أنت آمنٌ على نفسِك، فقُلْ! فقال: إن الذي دخَله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنت! قال: ويحك! وكيف يدخُلني الطمعُ والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض عندي؟ قال: وهل دخَل أحدًا من الطمع ما دخلك؟ إن اللهَ تبارَك وتعالى استرعاك المسلمين وأموالَهم، فأغفلتَ أمورهم، واهتممتَ بجمع المال، وجعلتَ بينك وبينهم حجابًا من الجص والآجر، وأبوابًا من الحديد، وحَجَبة معهم السلاح، ثم سجنتَ نفسك فيها عنهم، وبعثتَ عمَّالك في جباية الأموال وجمعِها، وقوَّيتهم بالرجال والسلاح، وأمرت بألا يدخل عليك مِن الناس إلا فلان وفلان، نفر سمَّيتَهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا العاري ولا الضعيف الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حقٌّ.
فلما رآك هؤلاء النفرُ الذين استخلصتَهم لنفسك، وآثرتَهم على رعيتك، وأمَرتَ ألا يحجبوا عنك، لَمَّا رآك هؤلاء تجبي الأموال وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله، فما بالنا لا نخونه وقد سجن لنا نفسه! فأتَمَروا بألا يصل إليك من عِلم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا عابوه عندك ونفَوْه حتى تسقط منزلتُه، ويصغُرَ قدره، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم، أعظَمَهم الناس وهابوهم، فكان أولَ من صانعهم عمالُك بالهدايا والأموال؛ ليقوَوْا بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك؛ لينالوا به ظلمَ من دونهم، فامتلأت بلادُ الله بالطمع بغيًا وفسادًا، وصار هؤلاء القومُ شركاءَك في سلطانِك وأنت غافل، فإن جاء متظلِّمٌ حيل بينه وبين دخولِ مدينتك، فإن أراد رفع قصتِه إليك عند ظهورك، وجَدَك قد نهيتَ عن ذلك، وأوقفت للناس رجلًا ينظرُ في مظالِمِهم، فإن جاء ذلك الرجلُ فبلغ بطانتك خبرُه، سألوا صاحبَ المظالم ألا يرفعَ مظلمتَه إليك؛ فإن المتظلمَ منه له به حرمة، فأجابهم خوفًا منهم، فلا يزال المظلومُ يختلف إليه، ويلوذ به ويشكو ويستغيث، وهو يدفعه ويعتلُّ به، فإذا أُجهِد وأُحرِج وظهرت، صرخ بين يديك، فضُرِب ضربًا مبرِّحًا ليكون نَكالًا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام بعد هذا؟!
ثم بكى المنصور بعد هذه الموعظة البليغة وقال: يا ليتني لم أُخلَق! ويحك، فكيف أحتال لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن للناس أعلامًا يفزَعون إليهم في دينهم، ويرضَوْن بهم، فاجعَلهم بطانتك