النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا * وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء: 2 - 6] .
سورة النساء مدنيَّة، وقد نزلت لتبين أحكامَ النساء، ومَن على شاكلتهم من الضعفاء، وهم الأيتام والصغار، ومَن لا يستطيعون التصرُّف ممن يحتاجون إلى وصيٍّ، وقد بدأها الله سبحانه وتعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .
ففيها خطاب للمؤمنين بأحبِّ الأسماء إليهم، وفيها الأمرُ بتقوى الله، وتقوى الله تنجي من المهالك، وفيها التذكيرُ بأن الناس كلهم من أصل واحد، ومن نفس واحدة، لا فرقَ بينهم من حيث الأصلُ والنشأة؛ (( كلكم لآدَمَ، وآدمُ من تراب ) )؛ وذلك لكيلا يتعالى الإنسانُ على أخيه الإنسان، ثم إن تَكرارَ تقوى الله من أجل تعميق الإيمان والتواضع، ثم تأتي الوصية بالأرحام؛ حيث عطفها على لفظ الجلالة، {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ} [النساء: 1] ، واتقوا {الْأَرْحَامَ} [النساء: 1] ، وكل هذا مقدِّمة لِما سيكلَّف به الإنسان من الأمانة الكبيرة والمسؤولية العظيمة في الضعيفين (المرأة واليتيم) [1] ، وذلك في قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] إلخ الآية؛ حيث أمر اللهُ الوصيَّ أو الولي بإعطاء المال لليتيم الذي كان تحت رعايته متى بلغ رُشده بعد البلوغِ، ونهاه عن تبديلِه وتغييره، وهذا ليس في المال النقدي، وإنما في الأنعام وما يمكن تبديلُه؛ كأن يكونَ عنده مثلًا عشرون من الغنم سمانًا، فيُعطيه عشرين هزالًا، ثم قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] ؛ أي: لا تضمُّوها إلى أموالكم، وتخلطوها مع أموالكم لتأكلوها، وقد سبق أن ذكرنا اهتمامَ الصحابة الذين يرعون أيتامًا لهذا النهي؛ فعمِلوا على فَرْز أموالهم عن أموال اليتيم، وطعامهم عن طعامه، ففسدت بعض أطعمة اليتيم، فنزلت الآيةُ الكريمة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] ، فسمح لهم بالمخالطة لهذه الضرورة، وإنما كان المنعُ
(1) ) الحديث: (( اللهم إني أُحرِّجُ حقَّ الضعيفين؛ اليتيم والمرأة ) )رواه النَّسائي بإسنادٍ جيد عن عمرٍو الخزاعي.