لدفع الطَّمَع بالمخالطة، فإذا عُدِم الطَّمعُ، وكانت المخالطة بلا غَبْن لليتيم ولمصلحته، فلا مانعَ منها.
ثم قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] إلى آخرِ الآيةِ الثالثة؛ فهذه الآيةُ في اليتيمة التي يرعاها وصيٌّ من غير محارمها، ويصحُّ له أن يتزوجَ منها، فعليه أن ينكحَها بمَهرها، ولا يغمطها حقَّها، واليتيمة التي من هذا النوع هي التي تُستأمَر في زواجها؛ فعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( تُستأمَر اليتيمةُ في نفسِها، فإن سكَتَت فهو إذنُها، وإن أبَتْ فلا جوازَ عليها ) ) [1] ؛ لذلك فإن الله خيَّر الوليَّ على اليتيمة في الزواج من غيرها إن كان في نفسِه منها شيءٌ؛ لفقرٍ أو قلة جمال، أو يريد أن يبخَسَها حقَّها من المهر، خيَّره في تركها والزواج من غيرها؛ فعند مسلم عن عروةَ بن الزبير أنه سأل عائشةَ عن قول الله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] قالت: يا بن أختي، هي اليتيمةُ تكون في حجر وليِّها، تشاركه في ماله، فيعجبه مالُها وجمالُها، فيريد أن يتزوجَها بغير أن يقسطَ في صَداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنُهِوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلُغوا بهن أعلى سُنَّتهن من الصداق" [2] ، وفي رواية ثانية عن عائشة قالت في قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء: 3] ، قالت:"أُنزِلت في الرجل تكون له اليتيمة، وهو وليُّها ووارثها، ولها مال وليس لها أحدٌ يخاصم دونها، فلا ينكحها لمالها، فيضر بها، ويُسيء صحبتها"، وفي رواية أخرى:"ويكرَه أن يُنكحها رجلًا فيشركه في ماله، فيعضلها"؛ أي: يمنَعها من الزواج."
وأما قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] ، قالت عائشة:"أنزلت في اليتيمة تكون عند الرجلِ، فتشركه في ماله، فيرغب عنها أن يتزوجها، ويكرَهُ أن يزوجَها غيرَه فيشركه في ماله، فيعضُلها فلا يتزوَّجها ولا يزوِّجها غيره" [3] .
ثم قال الله تعالى في الآية السادسة بشأن اليتامى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6] ، والابتلاء هنا يعني الامتحان، ومعناه أن يختبروهم في المحافظةِ على أموالهم على مرات عدة قبل بلوغهم، فإذا بلَغوا وأنسوا منهم
(1) ) رواه أبو داود، ص 231، ج 2.
(2) ) صحيح مسلم، ص 154، ج 18.
(3) ) رواه مسلم، ص 156، ج 18.