رشدًا، فعليهم أن يدفَعوا أموالهم إليهم، وقد ورَد في الحديث الشريف عن علي قال: حفظتُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يُتْمَ بعد احتلام ) )؛ أي: إذا كبِر اليتيم وصار فتًى بعد سن الخامسة عشرة فلا يسمى يتيمًا؛ لأنه بلغ وصار في عِداد الرجال، فلا تبقى هذه الصفةُ ملازمة له، ثم قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء: 6] ؛ أي: لا تتعدَّوا في أكلها من غير حاجة وضرورة، فتبادروا قبل بلوغهم إلى التعدِّي، ثم قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] ، وهنا ندَب الله الأغنياءَ إلى عدم الأكل من مال اليتيم مهما كان المأكول قليلًا، بل الأفضل أن يزيدَ له في المال وينميه؛ لأنه غنيٌّ ولا حاجةَ له في مال اليتيم، أما الولي الفقير فيجوز له أن يأكلَ بالمعروف من غير إسراف؛ وذلك لقاءَ رعايته لليتيم، وفي حديث عمرِو بن شعب عن أبيه عن جدِّه قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندي يتيمًا عنده مالٌ وليس لي مال، آكُلُ من ماله؟ قال: (( كُلْ بالمعروف غيرَ مسرفٍ ولا مبادِرٍ ولا متأثِّلٍ ) ) [1] .
والمبادرة: أي قبل البلوغ، وهنا تعني: المسارعة، والتأثُّل: أصل المال؛ أي: دون أن يؤثر على أصل المال، وفي هذا لما سأل رجل ابنَ عباس فقال:"إن لي يتيمًا وله إبل، أفأشرَب من لبن إبله؟ فقال له ابن عباس: إن كنتَ تبغي ضالةَ إبله، وتهنأ جرباها، وتليط حوضها، وتسقيها يوم وِرْدِها، فاشرَبْ غيرَ مضرٍّ بنسلٍ، ولا ناهك لحلبٍ" [2] .
ومعنى تبغي ضالتَها: تنشُدُها وتبحث عنها، وتهنأ جرباها: أي تداويها وتدهنها بالقَطِران، وتليط حوضها: تطينه وتُصلِحه، ورغم هذه الشروطِ الواجب القيام بها تجاه إبل اليتيم، فإنه لم يسمح بأخذ شيءٍ من أصل الإبل، وإنما سمَح له بالشرب من حليبها بالمعروف، غير ناهكٍ لحلب.
وعند البخاري في معنى {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] ، قالت عائشة: أنزلت في والي اليتيم أن يصيبَ من ماله إذا كان محتاجًا بقدرِ ماله بالمعروف"، وعنده أيضًا:"أن عمرَ تصدق بمالٍ له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقال له: ثَمْغٌ، وكان نخلًا، فقال عمر: يا رسول الله، إني استفدتُ مالًا، وهو عندي نفيسٌ، فأردتُ أن أتصدق به، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (( تصدَّقْ بأصله، لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره ) )، فتصدق به عمر، فصدقته تلك في سبيل الله، وفي الرِّقاب، والمساكين، والضيف، وابن السبيل، ولذي القربى، ولا جُناح على من وَلِيَه أن يأكل منه بالمعروف، أو يوكل صديقه غير
(1) ) رواه أبو داود والنسائي، وهو حسن.
(2) ) رواه مالك في الموطأ، وهو صحيح الإسناد.