متمولٍ به" [1] ، وهذا نموذج للاستفادة مما يدر المال، لا من أصله؛ ليبقى أصله ثابتًا دون نقصان، فعلى وليِّ اليتيم أن يلتزمَ بهذا، بل عليه أكثر أن يعملَ لتنمية مال اليتيم إن كان مالًا نقديًّا، وإلا فإن الزكاةَ تأكُلُه إذا انتظر به حتى يكبَرَ اليتيم، ويبلغ الرشد؛ فعند الدارميِّ:"في مال اليتيم يعمل به الوصي، إذا أوصى إلى الرجل"، وعند الترمذيِّ مِن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خطَب الناس فقال: (( ألا من وَلِيَ يتيمًا له مال، فليتَّجر فيه، ولا يترُكْه حتى تأكله الصدقة ) ) [2] ، وفي الموطأ عن مالك بن أنس بلغه أن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه قال:"اتَّجِروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الصدقة"، وبلغه: أن عائشةَ رضي الله عنها:"كانت تعطي أموالَ اليتامى من يتَّجِر فيها"، وعن القاسم بن محمد قال:"كانت عائشةُ تَلِيني أنا وأخًا لي يتيمين في حجرها، فكانت تُخرِجُ من أموالنا الزكاة" [3] ؛ ولهذا فإن وليَّ اليتيم مسؤولٌ عن ذلك، ويجب أن تتوفرَ فيه شروطٌ مناسبة لهذا؛ كالقوة، والأمانة، والتصرف الحسن؛ لكي يسيرَ بهذه الأمانة نحو شاطئ السلامةِ؛ فعن أبي ذرٍّ قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( يا أبا ذرٍّ، إني أراك ضعيفًا، وإني أحبُّ لك ما أحب لنفسي، فلا تأمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم ) ) [4] ؛ فالأمر هنا لأبي ذر خاصة، ولمن كان ضعيفًا مثله عامة؛ فالولاية على اليتيم تحتاج إلى صبرٍ ودقة في الحساب، وحرص على ماله؛ ليوصلَه إلى سن الرشد، ليدفع له ماله ناميًا، فإن فعل ذلك، فله ثواب كبير، وإن قصَّر وضعُف، كان عليه وِزْرٌ كبير، ولقد تهدَّد الله سبحانه وتعالى مَن يُتلِف مال اليتيم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] ؛ فعند البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اجتنبوا السبعَ الموبِقات ) )، قالوا: يا رسول الله، وما هنَّ؟ قال: (( الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) ) [5] ، ولقد التزم الصحابةُ رضوان الله عليهم بالآية التي تطلب الإصلاحَ لليتيم، وتنشد الخير له؛ قال تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ"
(1) ) البخاري ج 3، ص 193.
(2) ) جامع الأصول 2715.
(3) ) المصدر نفسه 2714، وكذلك الذي قبله.
(4) ) المصدر نفسه 9262.
(5) ) البخاري، ص 195، ج 3.