فيها النطفة، وهي التي تحمَّلت تبعاتها تسعة أشهر تقاسي وتعاني، فكان أشق شيء عليها يوم الوضع، وكم من أم ماتت وهي تضع وليدَها، أو طرقتها حمَّى النِّفاس بعد الوضع، وقد بين القرآنُ الكريم شيئًا من هذه المعاناة؛ قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] ، وفي الحديثِ الشريف عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، مَن أحق الناسِ بحُسْن صَحابتي؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أمك ) )، قال: ثم من؟ قال: (( أبوك ) ) [1] ؛ رواه البخاريُّ ومسلم.
في رواية أبي داود قال: (( أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب ) ).
وعند النَّسائي عن معاوية بن جاهمة، أن جاهمةَ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزوَ، وقد جئت أستشيرك فقال: (( هل لك من أمٍّ؟ ) )، قال: نعم، قال: (( فالزَمْها؛ فإن الجنةَ عند رِجْلها ) ) [2] .
وقد فضَّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم برَّ الوالدين على الجهاد؛ ففي الصحيحين عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنه في الجهاد، فقال: (( أحيٌّ والداك؟ ) )، قال: نعم، قال: (( ففيهما فجاهِدْ ) )، وفي رواية لمسلم قال: أقبَل رجُل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أُبايِعُك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجرَ من الله، قال: (( فهل من والديك أحدٌ حيٌّ؟ ) )، قال: نعم، بل كلاهما حي، قال: (( فتبتغي الأجر من الله؟ ) )، قال: نعم، قال: (( فارجِعْ إلى والديك فأحسِنْ صحبتهما ) )" [3] ، وأما قولُه صلى الله عليه وسلم: (( ففيهما فجاهِدْ ) )؛ أي: ابذُلْ ما تستطيع من جهدٍ في رضائهما، يكون لك أجرُ الجهاد كما لو جاهدتَ الأعداءَ فعلًا."
ومهما قدَّم الولد لوالديه من معروف، فلن يجزيهما حقَّهما، بل يُعد مقصرًا؛ لذلك عليه ألا يمُن ولا يستكثر ما يقدم؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يجزي ولدٌ والدَه إلا أن يجدَه مملوكًا فيشتريه فيُعتقه ) )؛ أي إن رآه بهذه الحالة فاشتراه فأعتقه ليحوز له الحرية، فيكون قد كافأه، وقدَّم له معروفًا مساويًا لمعروف والده من
(1) جامع الأصول ص 397 ج 1.
(2) جامع الأصول ص 403 ج 1.
(3) جامع الأصول ص 402 ج 1.