إليك مهجةَ نفسه، وثمرة قلبه، وصيَّر يدَك عليه مبسوطة، ومقالتَك فيه مصدَّقة، وطاعتَك عليه واجبة، فكُنْ له بحيث وضَعك أمير المؤمنين، أقرِئْه القرآن، وعلِّمه الآثارَ والأخبار والسُّنن، وروِّه الأشعار، وبصِّره بمواقع الكلام، ومُرْه بالرزانة في مجلسه، والاقتصادِ في نظرِه وسمعِه، فلا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنمٌ فيها فائدة تُفيده إياها، وكلمة نافعة يَعيها ويحفظها، ولا تُمعِنْ في مسامحته فيستحليَ الفراغَ ويألَفه، وقوِّمْه بالتقريب والمُلاينة، فإن أبى فبالشِّدَّة"."
وأما القاضي شريح فكانت وصيتُه من نوع آخر؛ حيث رأى ولدَه يُهارش كلبًا له، فكتب رقعة إلى معلِّمِه يقول فيها:
ترَك الصلاةَ لأكلبٍ يسعى بها = طلبَ الهِراشِ مع الغواة الرُّجَّسِ
فإذا أتاك فعَضَّه بملامةٍ = أو عِظْهُ موعظةَ الرَّفيقِ الأكيَسِ
وإذا همَمْتَ بضربِه فبِدِرَّةٍ = وإذا ضربتَ بها ثلاثًا فاحبِسِ
واعلَمْ بأنك ما أتَيْتَ فنفسُه = مع ما يُجرِّعُني أعزُّ الأنفُسِ
فكان في البيت الأخير رقةٌ وحنان وعطف رغم شدَّة ما تقدم، وفيه يعلِّمه أنه مهما قسا عليه، فليعلم أنه ولَدُه ومهجته، ونفسُه من أعز الأنفس عليه، بمعنى أنك إن أدَّبتَه فلا تكسِر عظمًا، أو تُرِقْ له دمًا، ولما أوصل الولد الرسالة لأستاذه، ضربه عشرًا وعشرًا، فقال له شريحٌ: لم ثنَّيْتَ عليه الضرب؟ فقال: العشرُ الأولى للبطالة، والثانية للبلادة؛ حيث لا يدري ما يحملُ" [1] ."
وقد ورَد في الأخبار قصة عبدالمطلب جدِّ النبي صلى الله عليه وسلم عندما نذَر: لئن آتاه الله عشَرة من الأولاد يمنَعونه ويحمونه، لينحَرَنَّ أحدهم، فكان له ذلك، واقترع فيمن ينحَر من أولاده، فكانت القرعةُ على عبدالله والد النبيِّ، لكن قريشًا منعته من ذلك، وأشارت عليه بالفداء، فافتداه بمائةٍ من الإبل، من هذه القصة نستنتج أن مِن عادات الجاهلية مَن يُجيز لنفسه قَتْل ولده [2] ، ولولا إلفة ذلك، لَمَا نذَر هذا النذر، وفي الإسلام لم نسمع بذلك، ولم نخبَرْ أن أحدًا نذَر ذَبْح ولده؛ وذلك لأن الإسلام منَع ذلك، ونهى عن هذا العمل القبيح؛ ولهذا لا نجد حتى الآن أمةً أرحم بأولادها من المسلمين، فمن الأمم من يفرِّق بين الأولاد بالمحبة والميراث، أو يحرِم بعضهم، ويعطي بعضهم، ومنهم من يُجبِرهم على أداء أعمال شاقة قبل سن البلوغ
(1) من كتاب قطوف أدبية - عبدالسلام محمد هارون، ص 190 - 191.
(2) يجب ألا تسحب هذه القصة على ما فعَله إبراهيم عليه السلام؛ حيث رأى في المنام أنه يذبَح ولدَه؛ فقصة إبراهيم حقيقية، وهي وحيٌ من الله، وأمرٌ له بذلك؛ لأمرٍ يُريده الله، ثم إن اللهَ فداه بذِبح عظيم، ونجى إسماعيلَ، ونجح إبراهيمُ في الاختبار.