وقال في مختار الصحاح: الوعد يستعمل في الخير والشر، يقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا، لكني إذا أسقطت كلمة خير أو شر، فيكون في الخير: الوعد والعِدة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، وتواعد القوم: وعَد بعضُهم بعضًا، وأما في الشر فيقال: اتعدوا، والتوعُّد: التهدد، والميعاد والمواعدة: الوقت والموضع، وكذا: الموعد.
وفي غزوة بدر ألقى النبيُّ صلى الله عليه وسلم قتلى الكفار في القليب - بئر - وقال أنس:"إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم: (( يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن عتبة، أليس قد وجدتُم ما وعدكم ربكم حقًّا؛ فإني قد وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا؟ ) )، فسمع عمر بن الخطاب قولَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون؟ أو أنَّى يُجيبون وقد جَيَّفوا؟ قال: (( والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمَعَ لِما أقول منهم، ولكنهم لا يقدِرون أن يجيبوا ) )، ثم أمر بهم فسُحِبوا فأُلقُوا في قليب بدرٍ" [1] ؛ رواه مسلم، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبَّةٍ يومَ بدر: (( اللهم أنشُدُك عهدك ووعدَك، اللهم إن تشَأْ لا تعبد بعد اليوم ) )، فأخَذ أبو بكر بيدِه، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححتَ على ربك كثيرًا، فخرج يثِبُ في الدرع وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 45، 46] [2] ؛ أخرجه البخاري، وفي حديثٍ لمسلم:"فاستقبل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم القِبْلةَ، ثم مد يديه، فجعَل يهتف بربه يقول: (( اللهم أنجِزْ لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني ) )، فبماذا وعَد اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم؟ قال الله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] ؛ فالوعد كان بإحدى الطائفتين، العِيرِ أو النفير، فكان النصرُ على الجيش في بدر ونجاة العير، وعند الترمذي عن ابن عباس قال: لما فرغ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من بدرٍ، قيل له: عليك العير، ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس من وَثاقه - وكان أسيرًا - لا يصلُحُ لك؛ لأن الله وعدك إحدى الطائفتينِ، وقد أعطاك اللهُ ما وعدك، قال: (( صدقتَ ) ) [3] ."
(1) جامع الأصول 6033.
(2) المصدر نفسه 6017.
(3) جامع الأصول 6044.