من المعروف أن اليهودَ أقدمُ من النصارى، وقد تعرَّضوا عبر التاريخ لمِحَن كثيرة، كما وافتهم أيام رخاء وسعة كبيرة، وذلك حسَب إيمانهم وتمسكهم بكتاب ربهم، فكانوا أهلَ ابتلاء وامتحان كلما مالوا عن سبيل الحق والرشاد، وتنوَّع امتحانُهم عبر التاريخ، من امتحان شديد وكرب عظيم؛ كما هو في عهدِ فرعون، وفي غزو بختنصَّر لهم، إلى أدنى من ذلك وأقل، وفي عهودِ إقامة دول قوية، كما في عهد طالوت وداود وسليمان، إلى عهود الدول الهزيلة، وأوقات الضعف والتشرذم والقطيعة؛ قال الله تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2] وقال أيضًا: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 4 - 6] ، وكان هذا التبدُّل في حالهم بسبب ذنوبهم؛ لذلك توعَّدهم الله بمزيد من العذاب إن عادوا إلى النُّكران والعصيان، فقال تعالى: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: 8] .
وقبل بَعْث عيسى عليه السلام إليهم، وصَلوا إلى حالة من الضلال كبيرة، وبغَوا وانقسموا إلى شِيع وأحزاب، وغيَّروا وبدلوا في دين الله، واعتدَوا على الأنبياء بالقتل والتنكيل، فكان حالهم بعد أن كانوا خيرَ أمة أخرجت للناس، حالَ شرِّ أمة، وأتعسِ أمة أخرجت للناس، ولقد أمَلوا بعد تفرقهم في التجمُّعِ تحت راية النبي المنتظر، وكانوا يتوعَّدون من يعتدي عليهم باليوم الذي يظهرُ فيه النبي المنتظر ليقتلوا الكافرين قتل عاد وإِرَمَ، ولكن ماذا كان موقفهم يوم ظهر وعلموا به وتثبتوا من أمره؟ أضلهم الشيطان عن الحق وعن اتباع هذا النبي بغيًا، وحبًّا للدنيا، وكرهًا للعرب، ولطبيعة في نفوسهم من حب الدنيا وشهواتها، والانعتاق من كل التزام يشيع الحياة الكريمة في ظل قوانين الله العادلة؛ قال الله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 101] ، وقال أيضًا في السورة نفسها: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] ؛ فهذا دليلٌ صريح على كُفْر هؤلاء، زِدْ على ذلك أقوالَهم واعتقادهم في الله ما لا يكون، وقد أخبر الله عنهم في كتابه فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] ، وقالوا أيضًا: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا