فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 156

تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال: 58] ، والمعنى - كما في تفسير فتح القدير: أنه يخبِرُهم إخبارًا ظاهرًا مكشوفًا بالنقض، ولا يناجزهم الحربَ بغتة، وهذا الحُكم لمن كان بينه وبين المسلمين عهدٌ، وإلا فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم كان يبغت الكفارَ إذا أراد حربهم، ويورِّي عندما يتجهَّز؛ حتى لا يعلَمَ به أعداؤه، وقال: (( الحربُ خَدْعةٌ ) ) [1] ، وقال: (( إنا إذا نزلنا بساحِ قوم، فساء صباحُ المنذَرينَ ) ) [2] ، وهذا عندما يصبِّحُهم بغتةً.

وفي الصحيحين عن عبدالله بن عون قال: كتبتُ إلى نافع أسأله عن الدعاءِ قبل القتال؟ فكتَب إلي:"إنما كان ذلك في أولِ الإسلام، وقد أغار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلِق وهم غارُّون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتَل مقاتلتَهم، وسبى ذراريَّهم، وأصاب يومَئذٍ جُوَيريةَ؛ حدثني بذلك عبدُاللهِ بن عمر، وكان في ذلك الجيش."

ومعنى"غارُّون": أي غافلون غيرُ منتبهين، فباغَتهم وهم على هذه الحالة.

وهؤلاء لم يكُنْ لهم عهدٌ عند رسول الله، وأخبَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه أنهم ما التزموا العهدَ والوفاء به، فإن الله سبحانه فاتحٌ عليهم الدنيا، وإذا انتهَكوا ذمَّة الله وذمَّة رسوله، فإن اللهَ مانعُهم ذلك؛ فعند البخاري عن أبي هريرةَ قال:"كيف أنتم إذا لم تجتبوا درهمًا ولا دينارًا؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائنًا يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفسُ أبي هريرة بيده، عن الصادق المصدوق، قالوا: عمَّ ذلك؟ قال: تُنتَهكُ ذمَّةُ اللهِ وذمة رسوله، فيشُدُّ اللهُ قلوبَ أهل الذمة، فيمنَعون ما في أيديهم" [3] ؛ لذلك كان الصحابةُ رضوان الله عليهم يحرِصون على تطبيق تعاليم النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا يتخطَّوْنها؛ ففي تطبيقها ينزل اللهُ النصرَ على المسلمين، وكانوا لا يقرُّونَ أي جندي على الخطأ، حتى وإن جلَب لهم النصرَ الظاهريَّ؛ لأن رسالتَهم أسمى من الانتصار في ساحة المعركة فقط، إنهم يريدون أن يُدخِلوا الإسلامَ بهَدْيِه إلى كل قلبٍ وبيت، فلا يوافقون على الغدرِ مطلقًا، وقد رأينا من قبلُ تكبيرَ عمرِو بن عَبَسَةَ وهو يقاتِلُ في جيش معاوية، ويستنكر على معاويةَ ما يفعلُه خلاف ما أمر به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي الموطأ أن عمرَ بن الخطاب كتَب إلى عامل جيش كان بعَثه: إنه بلغني أن رجالًا منكم يطلبون العِلْج - الرجل الفارسي أو الرُّومي - حتى إذا أسند في الجبل وامتنع، قال رجلٌ:

(1) رواه البخاري ومسلم، جامع الأصول 1054.

(2) رواه الستة عن أنس 1085.

(3) المصدر نفسه 1135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت